Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤٨(ص))، ولكنها لم تأخذ صفة الإجماع، بدليل أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا في هذه القضية على حديث شريف، ولو وجدوه لقدموه في الاستدلال على الإجماع. وبالإضافة إلى ذلك فإن الرسول (ص) لم يعين، من بعده، من سيخلف المسلمين. وحتى منصب الإمامة والخلافة فقد اختلف في وجوبه أو فرضه، وسنرى من الأحداث أن هناك فرقاً تعتبره فريضة، ومنها الأباضية، بينما تذكر فرقاً أخرى بأنه واجب وفي ظروف معينة.
ولما كانت الناحية الدينية قد اكتملت قواعدها ورسخت جذورها بين المسلمين، وقد أكد ذلك قوله تعالى: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا» (ه). وهي الآية التي نزلت عليه (ص) بعد خطبته الجامعة، ولم تمض ثلاثة شهور (6) على حجة الوداع حتى أصيب الرسول (ص) بالحمى، وفاضت روحه الطاهرة، في ضحى الإثنين (7)، الثاني عشر من ربيع الأول (8) سنة 11 هجرية / 632 م. فإنه كان لا بد من وجود من يقود الأمة الإسلامية، ويحمي مكاسبها الجديدة، ويقيم حدود. دينها فكان أمر خلافة الرسول (ص)، بذلك من أول وأهم القضايا التي بدأت تظهر بين المسلمين، خاصة وأن الرسول (ص) كان قد أرسى أركان دولة جديدة توفرت لها كل المقومات من: شعب وإقليم ونظم وسلطة حاكمة. وكان الرسول (ص) حاكماً لها، بالإضافة إلى مهمته السماوية (1).
وأصبح من المحتم على المسلمين، وبسرعة، اختيار خليفة للرسول (ص) يخلفه في مهامه الدنيوية. وبدأت منذ تلك الفترة البذور الأولى للفرقة بين المسلمين. وذلك أن المسلمين لم يجدوا نصاً صريحاً من الرسول (ص) على من يخلفه، أو بين آيات القرآن الكريم في صفات ذلك القائد الجديد، في الوقت الذي ترك فيه الرسول (ص) مدرسة كاملة من الشخصيات المدربة التي يصلح كل فرد فيها، بحكم أعماله وأدواره، أن يتولى شؤون المسلمين الدينية والدنيوية خلفاً للرسول (ص). بل ان المفكرين المسلمين (10) أعطوا لنا صوراً متباينة حول تلك القضية، التي لم يتفق عليها بين المحدثين حتى اليوم.
4
وبدأت حلقات تلك المشكلة، والرسول لم يدفن بعد ذلك أن الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، في محاولة لاختيار خليفة له، ومن بينهم، واجتمعوا على أن يختاروا زعيمهم سعد بن عبادة. فسارع إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وانضم إليهما أبو عبيدة بن الجراح، وخشي عمر بن الخطاب من ضياع الوقت واتساع الأمر (11).
ووقع الاختلاف، في البداية، بين فريقين هما الأنصار والمهاجرين، وقدم كل فريق منهما حججه ومؤهلاته لهذا المنصب الكبير. فانبرى سعد بن عبادة يقدم للجموع من هم الأنصار: فهم المدافعون عن الإسلام بأنفسهم وأموالهم، وهم الذين أووا ونصروا، وهم أصحاب الدار (12). وبرهن سعد بن عبادة زعيم الخزرج، بنظرية الأنصار في خلافة الرسول (ص) (13). وبدأت النفوس تضطرب ويسود الجميع القلق في تلك الفترة القليلة (14).
تقدم المهاجرون بدعواهم في أحقيتهم بالخلافة، فهم أهل الرسول (ص) وعشيرته، والذين تحملوا المشاق لدعوته، وهاجروا في سبيلها، وها هو أبو بكر ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأقدم
_ EA_