Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥١الجماعة فعين ثلاثة مقابل ثلاثة، وحدد بعد ذلك أن ينحصر الأمر في ثلاثة فقط، في سبيل أن تنحصر عملية الشورى في عدد أقل، وأن تكون تلك الفترة التي يتم فيها الاختيار قليلة لا تتعدى الثلاثة أيام.
وبالفعل انحصرت العملية في بداية الأمر في ثلاثة: علي، عثمان، عبد الرحمن، ولما تنازل الأخير، أصبحت محصورة في اثنين فقط وهما: علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان. ولكلّ تطلعاته وأفضلياته نحوها. وسبب هذا الأمر حيرة لعبد الرحمن بن عوف. ولكنه في النهاية بايع عثمان على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وأن يقتدي بفعل أبي بكر وعمر وبايع علي أيضاً لعثمان بالخلافة، وهكذا فإن بيعة عثمان لا شك فيها، ومتفق عليها (37).
جاء عثمان بن عفان (28) إلى الخلافة، في وقت بدأت فيه الظروف والأحوال من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والفكرية، وبدأت القوى الخفية تستعد للظهور. لقد أصبحت المدينة ممتدة بسلطانها على شبه جزيرة العرب كلها، بالإضافة إلى العراق والشام ومصر، وفارس وشمالي إفريقية، وأرمينية، وتحولت الحكومة الإسلامية من دولة المدينة City State إلى دولة عالمية واسعة World State ، في الوقت الذي لم تبدأ فيه تطورات في نظم الحكم تواكب تلك الأوضاع الجديدة فظل أسلوب حكم الدولة المدينة، هو أسلوب حكم الدولة، العالمية (29)، فبدأت الأزمات والصراعات وتوالت المشاكل.
في الوقت نفسه انطلقت قريش إلى الأمصار، واستأثرت بالمناصب الكبرى، مع منصب الخلافة (40)، واستحوذت على الأموال أيضاً (41). وبدأت الأصوات في المدينة، وخارجها، تطالب بالمساواة، وتندد أحياناً، بما يحدث، وكان أبو ذر الغفاري، وهو أحد كبار الصحابة، يمثل أحد الاتجاهات الاقتصادية ضد العهد الجديد، وسياسة الاستغلال والترف. فتقرر التخلص منه بنفيه من المدينة إلى الشام ليكون تحت مراقبة والي الشام، معاوية، ولكنه أعيد إلى المدينة لينفي من جديد خارجها (42)، وكان شعاره» والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم» (43). وبذلك كانت انتفاضة أبي ذر الغفاري، أول صوت لتحذير رجال العهد
الجديد.
تبع هذه الانتفاضة أصوات أخرى مثل عبد الله بن مسعود، كما أن بعض الصحابة أنكروا على عثمان أموراً كثيرة منها: هبته خمس خراج إفريقية لمروان بن الحكم، وتطاوله في البنيان وحصره العمل والولاية في أهل بيته وانه أول من ضرب بالسياط (44).
وامتدت أصوات الاستنكار خارج المدينة، وأظهر سكان الأمصار عدم ارتياحهم لسياسة الخليفة عثمان بن عفان، وبدأت بوادرها في البصرة، والكوفة، ومصر، وانتشرت في تلك الفترة أقوال تفيد بأن الخلافة ليست من حق عثمان، بل من حق علي. ونشطت آراء السبئية (45). وبدأ رجال عثمان يقدمون له العون في تلك الظروف، فعرض عليه معاوية بن أبي سفيان، والي الشام أن يرسل إليه جنداً من أهل الشام لحمايته، أو أن يذهب بصحبته إلى دمشق ليكون في