Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ٥٤وبرغم إدراك علي لأهداف خصومه (70)، فإنه اضطر إلى وقف القتال، وقبول التحكيم، مع خصومه وبدأت تظهر بين جنده بوادر تمرد سرعان ما انتشرت في قطاع جيشه الكبير، فها هو الأشتر يحاول إقناع جماعته بخدعة التحكيم.
وقد تحدثت المصادر بإسهاب عن تلك الفترة (71)، وبدايات الإنقسام بين جند الإمام نستخلص منها أن بعض العناصر في جند الإمام علي لم تكن مخلصة حتى نهاية الحرب ومنهم الأشعت بن قيس، الذي أعلن قبوله للتحكيم بسرعة، كما لا يستبعد أن تكون هناك اتصالات بين معاوية وبين بعض رجال عليّ أثناء المقام الطويل في صفين (72). وإن كانت هناك فئة ما زالت مصممة على خوض المعركة حتى نهايتها وهكذا أصبح الإمام علي بين تيارين لم يتمكن من قيادتهما فيما بعد. وخاصة بعد أن أعلن قوله: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما)). وكما أجبر الإمام على وقف القتال، من جانب بعض أصحابه، أجبر أيضاً على اختيار ممثله في المفاوضات، فقد تقدم باختياره عبدالله بن عباس، ليرأس وفده إلى المفاوضات، ولكنه رفض من قبل بعض أتباعه، كما رفض الأشتر أيضاً، الأول لقرابته، والثاني لحبه للحرب، وبدأت
الأحداث تتحرك، دون أن يكون للخليفة قوة في التحكم فيها أو في توجيهها.
ففي الوقت الذي بدأت فيه الوفود، الممثلة لقوى الصراع، تجتمع بدومة الجندل في شهر صفر سنة 37 هجرية / 657 م على أساس الحكم بما في القرآن والسنة حول الخلاف، وتعهد كلا الطرفين بقبول النتيجة. بدأت الأحداث تتجه صوب منحدر خطير مع قوات الخليفة علي، ذلك أنه أثناء قبول وقف الحرب، علا صوت يقول لا حكم إلا لله كان له صدى كبير بين الرافضين للتحكيم، وكان عروة بن آدية التميمي (74)، أول من نطق بها، وأصبحت هذه العبارة شعاراً لجماعة مستقلة لا تمت بآرائها إلى أي تيار سابق من قبل أهل الشام، أو حزب العراق. وضعفت معنويات العراقيين، وتفرق جند الإمام علي. لقد خرجوا إلى حرب معاوية متحدين متحابين فرجعوا، متباغضين منقسمين، وفشا بينهم الإنقسام، وعادوا يتدافعون وهم في طريق عودتهم إلى العراق ويتشاتمون ويضطربون بالسياط (25).
وانفصلت إلى النهاية، جماعة المحكمة الذين انطووا تحت شعار «لا حكم إلا لله» ولم يدخلوا مع رفاقهم القدامى، بل اتجهوا صوب حروراء، وأصبح هذا الموضع اسماً جديداً أطلقته المصادر على تلك الجماعة (3). وبدأت عقليات رجالها تتمخض نحو فكرة جديدة للخروج من الأحوال السيئة التي يتعرض لها المسلمون فسرعان ما انتقلوا من قريتهم الأولى، واتجهوا صوب النهروان، حيث بدأت مشاوراتهم نحو انتخاب إمام جديد لهم (). وبالفعل كان عبدالله بن وهب الراسبي (78). أول إمام لهم حسب ما تنص عليه الشريعة الإسلامية.
***
تعتبر المحكمة، أحداث صفين منذ التحكيم، أشبه بمهزلة (79)، سادت أحداث العالم الإسلامي، ذلك أن الخليفة علي قبل التنازل عن الخلافة، التي أعطتها له الأمة الإسلامية.
1021