عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ٦٣

الله حينما حكم الرجال، وتبرأوا من الحكمين (18)، وبذلك خالفت المحكمة بقية الأحزاب السياسية في عصرها. حتى انه أطلق عليهم اسم الحزب الجمهوري» لأنهم لم يحصروا الخلافة في طبقة معينة أو جنس خاص، ويرون بعزل الخليفة منذ اللحظة التي يفقد فيها ثقة الأغلبية (19). وأصبح فكرهم السياسي معبراً عن قطاع كبير من الجماهير الإسلامية الناقمة على الخلافة، أو الأوضاع السائدة، ومن خلال مبادئهم التي تمسكوا بها أطلق البعض عليهم أصحاب المذهب الثوري الديمقراطي الإشتراكي» (20)، وارتبط تاريخهم الطويل عبر مسيرته المتعثرة بمحاولات تطبيق تلك المبادئ.

ويبدو

أن الإمام علي أدرك أهمية النصيحة التي قدمت له بعدما حدث في التحكيم، فقد اتفق عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري على خلع كل من عليّ ومعاوية، فتقدم أبو موسى لخلع إمامة علي، بينما ثبت عمرو من بعده معاوية في الخلافة (21). فبرأ علي من الحكمين، وأرسل بذلك إلى رفاقه القدامى، من المحكمة (22). لكن الإمام وجد منهم إعراضاً عنه، وتمسكاً بموقفهم ومبادئهم (23). أخذ الإمام يستعد لمتابعة حربه مع والي الشام، من جديد، في سبيل جمع كلمة المسلمين، وان يتجنب المحكمة حتى يفرغ من قضيته الأولى (24). ذلك لانه أدرك أن ترك الأمر شورى بين المسلمين في اختيار خليفته، كما زعم الحكمان في البداية، لا يؤدي إلا إلى حدوث الفوضى في العالم الإسلامي، وكثرة ظهور المطالبين بالخلافة، وانقسام القبائل فيما بينها (25)، ولكن وقعت أمور جديدة بينه وبين المحكمة جعلته يغير وجهته التي خطط لها ويتجه إلى جماعة النهروان.

ذلك أن نفوذ المحكمة بدأ ينتشر فيما حول منطقة النهروان، وبدأوا يستعدون للدفاع عن مبادئهم، ويتضح ذلك من الحوار الذي دار بينهم وبين عبد الله بن خباب بن الأرت، حول رأيه في خلافة عثمان بن عفان، ورأيه في موقف علي من التحكيم (26). ولما اختلفت إجابته عن آرائهم قتلوه (27).

في الوقت نفسه كانت سياسة الإمام علي معهم تنحصر في بداية الأمر في عدم مواجهتهم مواجهة عسكرية مباشرة، بل كان همه منصرفاً نحو عدوه الأساسي في الشام، خاصة بعد التطورات الجديدة التي وقعت أثناء عملية التحكيم واجتماع الحكمين. ولكن وقعت أمور غيرت من توجهات الإمام علي نحوهم ذلك انه أثناء عزمه على تجميع قواه من جديد للتوجه إلى الشام أشار عليه بعض أصحابه بضرورة القضاء على المحكمة قبل التوجه إلى الشام، حماية لجبهته من الخلف، وبذلك يتفرغ لحرب الشام (28). فتوجه الإمام نحوهم.

فقد

ظل الإمام علي حتى النهاية يتجنب الاصطدام المباشر معهم، رغم توجهه نحوهم، انحصر مطلبه في تسليم قتلة عبد الله بن خباب إليه، ولعل الإمام كان يأمل أن يضم إليه تلك الجماعة في الغد. ولكنه أدرك بعد المسافة بين الطرفين أثناء النقاش الطويل الذي دار بينهما قبيل معركة النهروان. وقد أعلنوا استنكارهم للإمام في ثلاثة قضايا هي

- T_

٦١ / ٢٦١