Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ٦٤-1
استنكارهم لسياسة يوم الجمل فقد استحل لجنده المال دون النساء والذرية. وكان رد الإمام عليهم أنه أباح الأموال بدلاً عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل الحرب. ثم أن النساء والذرية لم تقاتل وكان لهم حكم الإسلام ودار الإسلام أنه محى اسم أمير المؤمنين عن اسمه في الكتاب الذي كتب بينه وبين معاوية أثناء التحكيم، وكان رد الإمام عليهم أنه فعل مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية، حين قال له سهيل بن عمرو لو علمت انك رسول الله ما نازعتك، ولكن اكتب باسمك واسم أبيك، فكتب (29). - أنه وضع حقه في الخلافة موضع التحكيم، فقالوا له لم قلت للحكمين إن كنت أهلاً بالخلافة فاثبت، فإن كنت في شك من خلافتك فغيرك بالشك أولى. فرد عليهم علي بقوله: إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية ولو قلت للحكمين أحكما لي بالخلافة لم يرض بذلك معاوية (30).
ويتضح من هذا الحوار مدى تصميم المحكمة على مبادئهم، في مقابل حرص الإمام علي على إقناعهم خاصة وأنه بدأ يستعد للعودة إلى الشام. وبالفعل فقد رفع أبو أيوب الأنصاري الراية وناداهم بأنه من جاء منكم إلى هذه الراية ممن لم يقتل أو يستعرض فهو آمن، فانصرف البعض، ولم يبق مع عبدالله بن وهب إلا أربعة آلاف (31)، وبدأت أحداث النهروان (32). يوم
وبالرغم من قصر فترة معركة النهروان بين الفريقين، إلا أنها أسفرت عن أمرين هما:
الأول: خسارة المحكمة الكبيرة فقد قتل معظمهم أمام جند الإمام، وتذكر المصادر أنه قتل كل المحكمة عدا بضعة أفراد (33) اعتقدت تلك الروايات أنها هي التي قامت بنشر الفكر الخارجي في الأقاليم. ولكن يبدو أن العدد كان أكبر من ذلك، فإذا كان الإمام تمكن من قتل معظمهم، فإنه بقي أكثر من ألفي رجل بدليل أن أهل النخيلة الذين قادهم فروة بن نوفل الأشجعي كانوا أكثر من ألفي رجل وهم من بقايا النهروان، وقد تعاون على قتالهم معاوية بن أبي سفيان والحسن بن علي) الثاني: خسارة الإمام علي أيضاً وكانت هذه الخسارة من جانبين. الجانب الأول: ضعف جبهة علي فبعد خسارته أصدقاء الأمس، بدأ أصحابه يتسللون من صفوفه
(34)
من
لم يبق معه إلا نفر يسير، فمضى الحارث بن راشد الناجي في ثلثمائة الناس، مرتدين إلى النصرانية، فأرسل علي إليهم معقل بن قيس الرواحي فابادهم، بل أن معقل نفسه اتجه إلى معاوية في نهاية الأمر (35). أما الجانب الثاني: فقد تمثل في انتقال خيوط الأحداث السياسية بكاملها من الإمام علي إلى معاوية بالشام، وبدأ معاوية بالفعل يجنى ثمار هذا الأمر.
ومهما يكن من أمر، فإن معركة النهروان قد أثرت على العالم الإسلامي بأجمعه. وتوجهات التاريخ الإسلامي بعد ذلك. ومهما تذكر المصادر من قلة الذين نجوا منها من طرف المحكمة،
-78 -