عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ٧٦

الطبري عبارة «كأنما قيل لهم موتوا فماتوا» (3)، ثم أشارت إلى أن القلة القليلة الناجية قد تحركت صوب أطراف العالم الإسلامي (4)

(?)

ولكن يبدو للمتتبع لتاريخ تلك الجماعة انها ظلت متمسكة بمبادئها وأهدافها بعد نكسة النهروان، واتضح ذلك في ترديد أفرادها مبادئهم أمام الولاة والخلفاء فيما بعد (5). وأصبح كل فرد منهم بمثابة رسول ومبشر لأفكارهم. وظلت ثوراتهم ونشاطهم بصورة فعالة في العصر الأموي، وظهروا بدور بارز في أحداث ذلك العصر، فإلى جانب ثوراتهم ضد الأمويين فإنهم اشتركوا في الدفاع عن مكة المكرمة بجانب عبدالله بن الزبير ضد الأمويين، برغم اختلاف أهداف الجانبين (6). وقد تحملوا الخسائر الكبيرة في سبيل ذلك، فقد أورد لنا الطبري عدداً هائلاً منهم قتل زمن زياد بن أبيه وابنه عبيد الله في منطقة جنوب العراق فقط، بلغ ثلاثة عشر ألفا وعدد من سجن منهم أربعة آلاف (7).

والواقع أن أبا بلال مرداس بن آدية التميمي يعتبر من أبرز قادة المحكمة أحداث بعد النهروان. وكان له الدور الكبير في نقل الأفكار الخارجية إلى البصرة، حيث أصبحت المدينة فيما بعد المركز الفعال في هذا الأمر (8). كما أن أبا بلال تتولاه جميع فرق المحكمة الأوائل وتجعله من أبرز أئمتها، خاصة الفرق المعتدلة منها. (1). كما أن آراء أبي بلال متفق عليها من قبل غالبية أهل البصرة.

ارتبط أبو بلال في حياته بالزهد والتقوى وحسن السيرة. وقد شهد الرجل معركة صفين مع جيش الإمام علي ضد معاوية، ولكنه أنكر التحكيم مع من أنكر وانضم إلى جماعة المحكمة وتحرك مع جماعته فيما بعد إلى حروراء ثم إلى النهروان (10). وكان غير مرتاح لما يحل بالمسلمين من قتل وتشريد وفتنة وحروب. واشترك الرجل في أحداث النهروان الدامية فزادت

بعد

آلامه لأحوال المسلمين فبدأ يتبنى أفكاراً جديدة نحو الخروج من الأوضاع الحالية. أحداث النهروان، رأى أبو بلال أن القتال بين أتباع الدين الواحد لا يضح، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، فانسحب مع نفر من أصحابه نحو البصرة، وأقام مع أبناء عمومته من قبيلة بني تميم، كبرى قبائل البصرة في تلك الفترة، وحيث زعيمها الأحنف بن قيس، المرتبط بالحلم والحكمة (11)، وربما كان الزعيم التميمي أحد أنصار المحكمة فيما بعد بسبب مواقفه المناصرة لهم، والمعارضة لمخالفيهم، ولذلك تعتبره المصادر الأباضية أحد مشاهير أسلافها، ربما كان ذلك بسبب حمايته لأتباع أبي بلال في البصرة في الفترة الحرجة للدعوة بعد النهروان (12).

وبذلك يعتبر أبو بلال أول من نقل أفكار المحكمة إلى البصرة (13)، وبدأ الرجل ينتهج طريقاً سلمياً في نشر أفكاره بين الناس في البصرة، خاصة من بني تميم مؤثراً طريق الإقناع والمناقشة وليس الثورة (14). وتكاد تكون سيرته أشبه بأسطورة في تاريخ كفاح المحكمة. النبيلة وآرائه المعتدلة، فقد رفض اشتراك النساء في الحرب، وعارض أعمال العنف واستعراض الناس ودعا أتباعه بألا يجردوا سلاحاً ولا يقاتلوا أحداً إلا إذا تعرضوا للعدوان (15). وبلغ من

بسبب مواقفه

__

٧٣ / ٢٦١