Alsaidia_400_Modified
الجزء ١ · صفحة ٧٩البراءة من الجبابرة، ودعوا إلى قتالهم والخروج عليهم، فخرج من البصرة مع رفاقه
الأربعين (39). وبذلك يمكننا تقسيم علاقة أبي بلال وجماعته بالأمويين إلى مرحلتين:
الأولى: فترة المسالمة.
الثانية: فترة البراءة والخروج.
وقال أبو بلال: «إنه والله ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفضل والله إن الصبر على هذا لعظيم» (40).
وكانت سلوكيات أبي بلال في الخروج مثالاً احتذته فرقة الأباضية فيما بعد. فقد أعلن أنه لا يسبي ذرية، ولا ينزل قوماً منزلة أهل الأوثان، ولا يغتنم أموالاً، ولا يخيف أمنا (1) كما أمن أبو بلال بأخذ العطاء من السلطان الجائر، فعندما مر به مال حمل لعبيد الله بن زياد أخذ منه أعطياته وأعطيات أصحابه ورد الباقي (42)، وقسمه بين أصحابه (43).
ومن سلوكياته أيضاً أنه كان يلقي الحجة في الحرب على المخالف المسلم، ولا يقاتل إلا من قاتله، أي الدعوة أولاً ثم الحرب ثانياً، وقد التزمت بها الأباضية ونلاحظ ذلك في موقف أبي حمزة الشاري، والمختار بن عوف الأزدي، قائد طالب الحق، إمام الأباضية في حضرموت واليمن سنة 130 هجرية / 747 م، الذي توجه لفتح الحجاز، وبرزت سلوكياته ومبادئه في خطبته التي ألقاها في الحجاز، وفي مواقفه مع أهل مكة والمدينة قبيل وأثناء وبعد معركة قديد سنة 130 هجرية / 747 م (44).
تحرك أبو بلال ورفاقه (45) خارج البصرة، معلناً استنكاره للأوضاع في المدينة، واستقر به المقام في آسك، بالقرب من الأهواز (46). وبدأت الأحداث تتجه إلى حتمية للصراع بينه وبين الأمويين. فيبدو أنه خرج ورفاقه دون أن يكون معهم ما يكفيهم فمر عليهم مال يحمل إلى ابن زياد، فحط ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه، وترك ما بقي. فلما علم ابن زياد بهذا الأمر بالإضافة إلى أنه قد أعلن تمسكه بمبادئ المحكمة أثناء الخروج (47)، وزاد الأمر تدهوراً أخذه الأعطيات، فوجه إليهم أسلم بن زرعة الكلابي في ألفين من الجند، حتى لا تنتشر أفكاره ويزيد أتباعه. ويبدو من النقاش الذي دار بين الطرفين قبيل القتال أن أسلم كان مصمماً على قتال أبي بلال برغم توضيح أبي بلال لموقفه من أخذ الأعطيات وأنه لا يقاتل إلا من قاتله. فنشبت المعركة بين الطرفين وانقض أتباع أسلم على أبي بلال ورفاقه. ولكن تمكن أبو بلال ورفاقه القليلين من قتل عدد كبير من أتباع أسلم فعاد إلى البصرة منهزما (48). وارتبط به رده على ذم ابن زياد له «لأن تذمني حياً خير من أن تمدحنى ميتاً» (41).
وإن كنا لا نقبل تشكيك البعض في هزيمة أسلم وعدم واقعيتها، ذلك لأنه قد كلف بمهمة رسمية من قبل ابن زياد بضرورة القضاء على أبي بلال ورفاقه قبل أن ينتشر فكرهم. فكيف يعود أسلم من مهمته دون قتال أبي بلال على أساس أنه اقتنع بآرائهم فعاد وآثر السلام (50)، بينما لم يرد اسم أسلم ضمن رجال أو أتباع المحكمة فيما بعد، وظل سكان البصرة يعيرونه بهذا الأمر