عُمان والحركة الإباضية محمد قرقش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_400_Modified

الجزء ١ · صفحة ٩٢

في ظل هذه الأحوال فرصة مواتية لنشر أفكارهم كما أن الكثير من أهل البصرة قد وجدوا مثلهم العليا في أفكار الخوارج (37).

ومن الناحية الفكرية العامة بالمدينة، فإننا نلاحظ أنها كانت تمثل أهم مراكز الثقافة الإسلامية في القرنين الأول والثاني الهجريين (28). فقد انتجت المدينة قمماً في كل فروع العلم والثقافة وعلوم الدين برغم كل التناقضات التي جمعت بين قممها. وقد تكونت شخصيتها المدنية وهويتها الثقافية بفضل جوانب كثيرة منها: مجالس البيوت والمساجد.

وقد شكل المسجد أهمية كبرى في تكوين فكر أهل المدينة ووجد المحكمة وخاصة الأباضية في المسجد سبيلاً هاماً لنشر أفكارهم وآرائهم بطريقتهم السلمية. وقد مثل المسجد عند أهل البصرة مكاناً لأمور كثيرة غير الصلاة، فإلى جانب العبادة ظهر في مسجد أهل البصرة، الظرفاء، وأهل المجون (29). وكان لكل قبيلة مسجدها بالإضافة إلى المسجد الجامع. والمساجد التي كان ينشئها ولاة المدينة خاصة في العصر الأموي.

وفي المسجد الكبير كانت هناك التيارات الرئيسية التي تسود بين أهل المدينة. فهو يقع في وسطها، ويجتمع فيه أهل المدينة لمناقشة أمورهم، وبدأ العلماء يتخذون فيه حلقات للعلم (30). وتحول هذا المسجد في العصر الأموي إلى معهد علمي كبير تروى فيه الأحاديث الشريفة ويفسر فيه القرآن الكريم وتعقد فيه المناظرات وتسرد فيه الأخبار، وتحكم بالتالي في مسيرة الحركة الثقافية والفكرية في المدينة. وظهر فيه رواد أثروا في فكر أهل المشرق عامة مثل الحسن

البصري في الوعظ وعبدالله الحضرمي والخليل بن أحمد في فقه اللغة العربية (31). وقد أثرت التيارات السياسية التي سادت العالم الإسلامي في تلك الفترة على مسار التوجهات الثقافية بين علماء المدينة، فقد اتجه الكثير من طلاب العلم والعلماء إلى الإنحياز والإيمان ببعض هذه التيارات السياسية، برغم وجود روح الجدية في طلب العلم. فقد كان الحسن البصري يشتد على الحكومة حينما يدرس لطلابه هذه المواقف ويترحم على عثمان ولكنه حينما يذكر علياً يقول: لم يزل أمير المؤمنين علي رحمه الله يساعده الظفر حتى حكم، ليته لم يحكم (32).

وبالفعل مثل المسجد الكبير فرصة للمحكمة لنشر أفكارها فانضم إليها الكثير منذ زمن أبي بلال: فانضم جابر بن زيد، وعبد الله بن أباض وغيرهما. كما أن الأباضية كانت تخشى على أتباعها من الجلوس في حلقات مخالفيها تجنباً للاصطدام بهم أو التأثر، كما أن بعض زعماء الأباضية تزعم مجالس العلم في البصرة في فترة الكتمان، فكان جابر بن زيد يتصدر مجالسها بسبب علمه وفصاحته حتى أنه كان يتولى القضاء في البصرة حينما يخرج الحسن البصري للجهاد (33).

وهكذا ظلت القعدة المعتدلة من الأباضية يتمركزون في البصرة وشكلت لهم مركزاً هاماً لنشر أفكارهم في بقاع كثيرة فيما بعد وظل جابر وأتباعه ينظمون حياتهم ودعوتهم على أساس السرية والكتمان. وظلت هذه المدينة مركز الأباضية حتى منتصف القرن الثاني الهجري.

- 92

٨٨ / ٢٦١