Alsaidia_413_Modified
الجزء ١ · صفحة ٤١٥الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
استدل الجمهور بأدلة كثيرة ذكرها الإمام السالمي منها قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا وَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (1). وجه الدلالة: أنه لا يتأتى عذابهم غدواً وعشياً إلا في القبر، وقوله تعالى {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ هذا نوع آخر من العذاب وهو في الآخرة.
أجاب أبو طاهر بأن هذا التفسير لقوله تعالى: {وَحَاقَ بِشَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (2) وأنه يريد بذلك يوم القيامة، وأن في الآية تقديماً وتأخيراً، والمعنى: يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وحاق بهم سوء العذاب النار يُعرضون عليها غدواً وعشياً. وأن قوله: {غُدُوا وَعَشِيّا من مجاز اللغة والمراد به الاستمرار على حد قوله تعالى: {وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّا (3) وأن كل واحد من المجاز، والتقديم والتأخير واقع في القرآن وهو من طرق اللغة المشهورة.
وأجاب السالمي رحمه الله بقوله: «قلنا هذا تكلف بغير ضرورة وخروج عن الظاهر بغير دليل، وعدول عن الأصل بغير مقتض. وأما الآيات التي وقع فيها نظير ذلك فإنها مخالفة لهذه الآية لوجود المقتضي وظهور الدليل، ولا يصح أن يحمل عليها غيرها مما لم يكن مثلها في الدلالة لأن ذلك تخصيص للعموم بغير مخصص وعدول به عن ظاهره بغير دليل وأما قوله تعالى: {وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيا فالاستمرار فيها ظاهر وليست آية العذاب مثلها فإن فيها قوله: {يُعْرَضُونَ عَلَيْها وهو يقتضي التجدد والحدوث مرة بعد أخرى، ولا كذلك آية الثواب. ثم إن القادر الحكيم قد أنزل الآية على طريقة يفهم منها بظاهرها المعنى المراد منها، وتأويلها على خلاف ذلك صرف لها عن هذا المفهوم إلى معنى لم يفهم إلا من لفظ المتأول فلو أراد الله من الآية ما ذكره لأنزلها على حال يدل على ذلك المعنى.
ثم إنك لو ذهبت تتأوَّل القرآن بمثل هذا التأويل لوجدته ممكناً في كل آية لأن
(1) سورة غافر، الآية: 46.
(2) سورة غافر، الآية: 45.
(3) سورة مريم، الآية: 62.
415 - 415