اجتهادات الإمام السالمي: دراسة في الأصول والقواعد والفنون التي بنى عليها الإمام السالمي اجتهاده محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_413_Modified

الجزء ١ · صفحة ٤٦٤

اجتهادات الإمام السالمي

هذه المواعظ وكثير غيرها مما تركتُ ذكره تدل على هذا الفقه الذي أوتيه السالمي رحمه الله. فكُتُبُ الفقه عادة لا تهتم بمثل هذه المواعظ والإرشادات وتتركها لكتب الوعظ والتربية ككتاب إحياء علوم الدين للغزالي وكتاب «الزهد والورع للامام أحمد بن حنبل، أما أن تذكر في ثنايا الفروع الفقهية فهذه محاولة للجمع بين فقه الأحكام الشرعية وبين فقه النفس، وفي ذلك تزويد لطالب العلم بالعلم والعمل، فإن من يقرأ هذه الأقوال كان أهون عليه أن يفقأ عينيه ولا ينظر بهما إلى محرم.

لقد استطاع السالمي رحمه الله أن يصل إلى هدفه ويبلغ مبتغاه وهو تربية المهابة والخشية لدى طالب العلم الذي يفترض فيه أن يكون أكثر الناس خشية لله تعالى {إِنَّمَا يخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُوا (1). وإلا فما فائدة العلم إذا لم يتبعه العمل، وما فائدة الاجازات والشهادات إذا لم يتبعها العمل، وما مثل صاحبها إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً، أو كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وهذا مثل لعالم من علماء بني إسرائيل واسمه (بلعام).

وقد أنزل الله فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى آتَيْنَهُ وَايَنَيْنَا فَأَنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لرفعته بها ولكنه أخلد إلى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنَهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَنِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (2)

إن الجمع بين أحكام الشريعة وبيانها وبين التربية هي طريقة القرآن الكريم. والله تبارك وتعالى لم يشبه أهل الكتاب الذين حملوا العلم ولم يعملوا به بالحمار الذي يحمل الأسفار والمجلدات على ظهره إلا بعد أن ذكر لنا الحكمة من بعث النبي في الأمة الأميَّة وهي قوله تعالى: ويَتْلُوا عَلَيْهِمْ آبَيْهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كانوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (3). فكان في ذلك دلالة والله أعلم على أنه إذا لم تحصل

(1) سورة فاطر، الآية: 28.

(2) سورة الأعراف، الآيتان: 174 و 175.

(3) سورة الجمعة، الآية: 2.

464 - ETE

٤٤٩ / ٥٢٧