اجتهادات الإمام السالمي: دراسة في الأصول والقواعد والفنون التي بنى عليها الإمام السالمي اجتهاده محمود مصطفى عبود آل هرموش [دارس عن الإباضية]

Alsaidia_413_Modified

الجزء ١ · صفحة ٥١٤

اجتهادات الإمام السالمي

ففي هذه القصة التي حكاها السالمي عن أبي عبيد القاسم بن سلام دلالة واضحة على مراعاة شعور أهل الكتاب وأنفهم من قبول مصطلح رأوا فيه امتهاناً لكرامتهم، وفي استجابة عمر لطلبهم لأكبر دلالة على كل مظاهر التعايش مع أهل الذمة.

وإذا أردنا تقويم هذا التصرف من أمير المؤمنين عمر لوجدناه في قمة الفهم لمقاصد الأحكام، وليس هذا كبيراً على عمر، وهو الرجل الملهم الذي لا يألو جهداً في النصح للإسلام. وذلك لأن عقد الذمة عقد من العقود التي ينظر إلى مقاصدها ومعانيها، وليس إلى ألفاظها ومبانيها، والقاعدة الفقهية تنص على ذلك فتقول: «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني»، والمقصد حاصل وهو دفع المال الذي يسد مرافق الدولة من قوم ليس عليهم زكاة في أموالهم ولتغطية ضمان العجز والشيخوخة فيما بعد، ولتأمين الحماية لهم. فما دام أن هذه الأمور قد تأمنت فلا مانع من تغيير اسم الجزية باسم الصدقة أو نحوها مع حصول الرضا منهم والشعور بالطمأنينة بأن محافظ عليه في وجدان المسلمين وفي عقيدتهم وأن كرامتهم مصانة عند

شعورهم المسلمين.

6 - نكاح حرائر أهل الكتاب:

ومن مظاهر التعايش بين المسلمين وأهل الذمة إباحة نكاح حرائر أهل الكتاب، ذهب الإمام السالمي رحمه الله تبعاً لجمهور المذاهب الفقهية إلى جواز نكاح حرائر أهل الكتاب. وذهب الشافعي إلى أنه لا يحل نكاح الكتابية إلا بشرطين: الأول أن تكون إسرائيلية: أي من ذرية يعقوب عليه السلام.

الثاني: أن يكون أصولها قد دخلوا في ذلك الدين قبل تحريفه.

واحتج السالمي والجمهور بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ مَّمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا اتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) [المائدة: 5].

514_01 {

٤٩٩ / ٥٢٧