Alsaidia_415_Original
الجزء ١ · صفحة ٢٣ظَلَمُوا فعبر بالفعل ولم يقل الظالمين، ليدل على أن أدنى ظلم ولو مرة حرام، فكيف الركون إلى الراسخ في الظلم؟ وكيف الميل إليه كل الميل فكيف الظلم الراسخ نفسه؟ صلى الموفق خلف إمام فقرأ هذه الآية فغشي عليه ثم أفاق فقيل له فقال هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم؟ وعن الحسن جعل الله الدين بين لاءين؛ لا تطغوا، ولا تركنوا، ولا يبعد أن الآية أبلغ نهي في الظلم إذ حرم أدنى ميل إلى أدنى ظلم وأوجب عليه النار. وعن الفضيل بن عياض: لو أنَّ رجلا لا يخالط هؤلاء السلاطين ولا يزيد على الفرائض فهو أفضل من رجل يخالط السلطان ويصوم النهار ويقوم الليل ويحج ويجاهد.
وعن الحسن: لا يزال يد الله على هذه الأمة ما لم يعظم أبرارُهم فجارَهم، وما لم يرفق خيارهم بشرارهم، وما لم يمل قراؤهم إلى أمرائهم، فإذا فعلوا ذلك رفع الله عنهم البركة، وسلط عليهم جبابرتهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل عليهم الفاقة.
وعن عيسى عليه السلام يا معشر العلماء كما أن الملوك تركوا الحكمة عندكم فاتركوا ملكهم عندهم، وعن الحسن أنه مر على باب ابن هبيرة فرأى قوما من القراء فقال ما ظنكم بهؤلاء الجرباء ليس هذا من مجالس الأتقياء وعنه صلى الله عليه وسلم إياكم وجيران الأغنياء وعلماء الأمراء وقراء الأسواق.
وذكروا أن عيسى بن موسى لقي ابن شبرمة فقال له: ما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك، إن قربتني فتنتني، وإن أبعدتني أذيتني ولا عندي ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له. وعن ابن عباس اجتنبوا أبواب السلاطين فإنكم لا تصيبون من دنياهم شيئا إلا أصابوا من آخرتكم ما هو أفضل.
وقال بعض المتقدمين: دخولك على الملوك يدعوك لثلاثة؛ إيثارك رضاهم، وتعظيمك دنياهم، وتزكيتك عملهم.
قال ابن مسعود: إنَّ الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه، فيخرج ولا دين له، لأنه يرضيه بسخط الله، قال بعضُهم ما دخلت قط على السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرى عليها الدرك، وأنا أغلظ عليه وأخالف هواه، ولوددت أني أنجو من الدخول كفافا، مع أني لا أخذ منهم شيئا، ولا أشرب لهم شربة ماء. وعن الضحاك إني لأتقلب الليل كله على فراشي ألتمس كلمة أرضي بها السلطان ولا أسخط بها ربي، فما أقدر عليها .. " انتهى المراد منه.
23