الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٧الحديث نية كل شخص إليه لا فعله الذي صدر منه، حيث قال: "وإنما لكل امرئ ما نوى ولم يقل: "ما فعل" فكان في الحديث دلالة واضحة على أن الأعمال لا تعتبر بهيئتها وأشكالها، وإنما اعتبارها بالدافع والباعث إلى إتيانها، وهذا ما تومئ إليه القاعدة المذكورة.
هذا، وإن من أظهر ما يمكن أن يستدل به لاعتبار هذه القاعدة- من غير ما ذكره الإمام ابن بركة والذي تظهر فيه صور الفعل وهيئته محسوسة على نمط واحد، وتتحكم النية في تصريف الفعل إلى طاعة أو معصية هو ما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلتها من المرج أو الروضة كانت له حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر ووجه الدلالة من هذا الحديث للقاعدة المذكورة هو: أن الحديث أخبر
(1)
عن فعل متفق في الهيئة والصورة، وهو حبس الخيل وتربيتها، وهو صادر- على جهة الانفراد من ثلاثة مكلفين، ومع اتفاق هذه الأفعال الثلاثة منهم في
-
الهيئة والشكل، إلا أن وصف كل فعل منها بطاعة أو معصية رتبه النبي صلى الله عليه وسلم - على نية كل فاعل منهم في حبس خيله وتربيتها، فمن ربطها في سبيل الله ففعله طاعة، ومن ربطها تعففا واستغناء، وأدى حق الله فيها ففعله طاعة، وهو دون الأول، ومن ربطها رياء ومناواة للمسلمين ففعله
معصية.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الجهاد، ب (16)، رقم 461، ج 2 ص 187. البخاري / كتاب الجهاد، ج 2 ص 49.
مسلم/كتاب الزكاة، ب (6)، ج 7 ص 70 - 71.
207