الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨ويبدو أن هذه القاعدة المذكورة التي أوردها الإمام ابن بركة بتلك
الصياغة المتقدمة يمكن اعتبارها قاعدة جزئية من القاعدة الكلية الكبرى المعروفة بقاعدة "الأمور بمقاصدها".
وإنما كانت قاعدة جزئية من تلك القاعدة، ولم تكن قاعدة مرادفة لها
تماما، لأن قاعدة "الأمور بمقاصدها أعم وأشمل، لأنه ينظر فيها إلى القصد الباعث للمكلف إلى إتيان الفعل من جهتين
أولا: جهة وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، بناء على نية وقصد
فاعله، وهذا هو القدر التي تشترك فيه القاعدة التي ذكرها الإمام ابن بركة مع قاعدة "الأمور بمقاصدها".
ثانيا: جهة ترتب الأثر الدنيوي بناء على النية والقصد الذي دفع المكلف إلى إتيان ذلك الفعل، ويمثل له بعض الفقهاء المعاصرين بما لو وقع صيد في شبكة إنسان، فإنه ينظر:
- إن كان نشر شبكته للاصطياد، فالصيد ملكه.
-
- وإن كان نشرها، اعتباطا، أو بقصد تجفيفها، فإنه لا يملك الصيد، ولغيره أن يتملكه بالأخذ.
ومن المعلوم أن هذه الجهة لا تدخل تحت القاعدة التي ذكرها الإمام
ابن بركة، لأن مدار قاعدته هو وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية بناء
على القصد فحسب.
وهذه القاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع، إذ يظهر لنا من خلالها مدى لطف الله تعالى بعباده وسعة عفوه ورحمته بهم، إذ رفع الحرج عنهم بعدم مؤاخذتهم بما يصدر عنهم من أفعال أو أقوال، يكون ظاهرها عصيانا محضا، لكنها تقع من العباد خطأ أو نسيانا، وبعضها نتيجة إكراه مما يرخص للمكلف فعله عند وقوع الإكراه من غير قصد وعزم على ارتكاب هذه
208