الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع — دراسة مقارنة زهران بن خميس بن محمد المسعودي

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي

الجزء ١ · صفحة ٢١٨

يكون موجبا للحكم بالضمان عليه، لأن أملاك الأمين معصومة له، فلا يحكم بإخراج شيء منها إلا بموجب شرعي، أو بطيب نفس منه، ولا موجب هنا ما لم يتعد، ومفهوم هذا أنه إذا تعدى خرج بذلك من حد الوصف بالأمانة وصح تضمنيه لأجل تعديه.

وأما الدلالة على القاعدة من المعقول فهي أن الأمين نائب عن الأصيل فيما اؤتمن عليه، فكان الهلاك في يده بغير تقصير وتعد كالهلاك في يد الأصيل (1). ويمكن أن يضاف أيضا إلى هذا الدليل العقلي بأن الغالب في صور الأمانة أن يكون النفع فيها راجعا إلى رب الأمانة كصور الوديعة، ومال الوقف، فيجب ألا يلزم بالضمان إلا بالتعدي وما يأخذه القائم على أموال اليتامى، أو أموال الوقف من أجر، فذلك لأجل رعايته وقيامه بإصلاح ذلك المال، وتنميته بالطرق المشروعة من تجارة أو غيرها، فأخذه الأجر ليس على ائتمانه، وإنما لأمر زائد على ذلك، وهو ما سبقت الإشارة إليه. ولأن جعل مالك الشيء غيره أمينا على ما يملكه مناف للتهمة، إذ لو لم يرضه للقيام بموضوع الأمانة ولم يطمئن له لما ائتمنه على شيء من أملاكه، فينبغي استصحاب هذا الأصل حتى يثبت خلافه من وقوع التعدي أو التقصير أو التفريط الموجب للحكم بالضمان.

ويبدو لمن يمعن النظر في هذه القاعدة أنها تمثل الأمر الوسط في مراعاة كلا الجانبين جانب الأمين على الشيء وجانب المالك لموضوع

الأمانة.

فأما من حيث مراعاة جانب الأمين فهو أنه لو قيل بلزوم تضمين كل

أمين لما تلف في يده مطلقا ولو بغير تعد منه لوقع الناس في حرج وضيق ظاهرين، لأن هذا الحكم ينعدم عنده أو يندر كثير من التصرفات والعقود، إذ

(1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 357. الكاساني، البدائع، ج 6 ص 323.

218