الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع — دراسة مقارنة زهران بن خميس بن محمد المسعودي

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

ووجه الدلالة من الحديث على الضابط المذكور عنده مأخوذ من إشارة

هذا الحديث، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بمقل الذباب وهو غمسه في الإناء، فهذا ما يدل عليه منطوق الحديث وعبارته، ودل بإشارته على أن الذباب طاهر لأنه لا بد وأن بعضا منه يحدث فيه الموت عند مقله، فلو كان نجسا وينجس ما في الإناء بملاقاته لكان الأمر بمقله أمرا بإفساد ما يقع عليه في الإناء من طعام أو ماء، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بالفساد، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه حكم بإفساد طعام مات فيه ذباب، فدل هذا على طهارته وطهارة ما أشبهه (1).

وهذا الذي ذهب إليه الإمام ابن بركة أخذا بإشارة هذا الحديث هو ما دل

عليه منطوق ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسلمان الفارس رضي الله عنه (2) - يا سلمان أيما طعام أو شراب ماتت فيه دابة، ليست لها نفس سائلة، فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه (3).

وأما دليل الضابط من حيث المعنى فهو أن الحكم بنجاسة ما ليس له نفس سائلة يوقع الناس في الحرج والمشقة، لأنه يتعذر صون الأواني عنه فأشبه موت الدودة المتولدة عن الخل فيه، وقد وقع الاتفاق على جواز أكلها (4). وهذا الضابط اتفق عليه جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والزيدية

والمالكية والحنابلة، والإمامية، وهو قول الشافعي في القديم.

(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 411.

(")

سلمان: أبو عبد الله أحد الصحابة، أصله من، فارس، أسلم بالمدينة، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وولي المدائن، وكان عالما زاهدا متقشفا، مات بالمدائن عام خمسة وقيل ستة وثلاثين للهجرة. ابن عبد البر،

الاستيعاب، ج 2 ص 634، 638. ابن حجر، الإصابة، ج 3 ص 118 - 120.

(3) أخرجه الدارقطني / كتاب الطهارة، ج 1 ص 37. البيهقي / كتاب الطهارة، ج 1 ص 253.

(4) الكاساني، البدائع، ج 1 ص 94. عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 179. الشقصي، منهج الطالبين، ج 3 ص 145. الحصني، كفاية الاخيار، ص 87.

240