الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠ويعود اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى اختلافهم في فهم معنى الاعتكاف. فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن معنى الاعتكاف هو حبس النفس على الأعمال المختصة بالمساجد، بينما ذهب فريق آخر إلى أن معنى الاعتكاف أشمل من المعنى السابق وأعم منه، فهو يشمل عندهم الأعمال المختصة بالمساجد وسائر القربات الأخروية، فهو عندهم حبس النفس على القرب الأخروية (1).
فمن ذهب منهم إلى المعنى الأول لم يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لأداء واجب كفائي أو مندوب أو مباح، لأنه في عبادة تقتضي إقامته ولبثه في المسجد، فالخروج منه مناف لذلك، إذ لا بقاء لهيئة هذه العبادة مع الخروج والتردد بين المسجد وغيره. وإنما أجازوا له الخروج لما هو ضرورة ملجئة كقضاء حاجته وما يشبهها في الضرورة كأداء الواجبات، لأن هذه الأمور من ضرورات الاعتكاف ووسائله، وما كان من وسائل الشيء كان حكمه حكم ذلك الشـ الشيء، فكان المعتكف في حال خروجه من المسـ جد لهذه الحاجة كأنه في
المسجد (2).
ومن ذهب إلى المعنى الثاني فحجته في تجويز الخروج للمعتكف لما لابد منه حجة الفريق الأول، وأما حجته لتجويز الخروج لسائر القرب الأخروية غير الضرورية فهي من طريق النقل لما روي عنه- صلى الله عليه وسلم- من خروجه لتشييع زوجته أم المؤمنين صفية بنت حيي -رضي الله عنها- (2) -
(ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 312 - 313. الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2 ص 118. (2) الكاساني، البدائع، ج 2 ص 171. (2) صفية: هي صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين، من سبط هارون بن عمران عليه السلام، كانت تحت سلام بن مشكم اليهودي، فمات عنها، وخلف عليها كنانة بن أبي الحقيق فقتل بخيبر، فصارت من سبي خيبر، فاصطفاها النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، وأعتقها، وتزوجها، وكانت حليمة عاقلة فاضلة، توفيت عام خمسين للهجرة. / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 4 ص 1871 - 1872. ابن حجر، الإصابة، ج 8
ص 210 - 212.
250