الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥مروءة لمجاهر بما يفسق به شرعا (1).
ومما يضعف القول بقبول شهادة الفاسق هو أن تعليل قبولها بأن الفاسق إذا كان وجيها فإنه لا يستأجر لتأدية شهادة ما تعليل غير كاف، لأن الحكم في رد شهادة الفاسق ليس لأجل مخافة أن يتجر في الشهادات فحسب، بل لمظنة الكذب بسبب الفاسق، وقد تكون هناك دوافع أخرى تدفع بالفاسق إلى أداء الشهادات الكاذبة غير طلب المال، ثم إن الفاسق إذا ظهر منه المجاهرة لدى الناس بما هو أشنع من الكذب، فكيف يقال بأنه يمتنع عن الكذب لأجل مروءته، وهل عرف عنه كونه فاسقا إلا بالمجاهرة بالكبائر من الذنوب، فأي فرق بين المجاهرة بالزنى أو بالربا أو شرب الخمر أو بالكذب، والحق أن لا مروءة لفاسق مجاهر، إذ لو كانت لمنعته ما يأتيه في حق خالقه من المجاهرة بالضلال. وما احتج به بعض الزيدية على القبول من أنه إذا غلب على ظن الحاكم صدق الفاسق جاز قبول شهادته لمساواته الظن الحاصل بالشهادة العادلة يدرؤه
أن في ذلك اطراحا للقيد المعتبر في الشهادة شرعا، وهو شرط العدالة كما فـ قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2]، والدليل على اعتبار الشارع له هو أن الله تعالى أمر برد قبول شهادة القاذف إذا لم يأت بما يدرأ عنه الحد
وما ذلك إلا لفسقه بركوبه هذه الكبيرة من الذنوب، وقد تقدمت الإشارة آنفا إلـ أن في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2] وصفا زائدا يشترط حصوله في الشاهد زيادة عن كونه من أهل الملة وهو وصف العدالة، ولو كان وصفا غير معتبر لجاء الخطاب بنحو واشهدوا منكم، وما ورد من الأمر بالإشهاد مطلقا كقوله تعالى: (وأشهدوا شهيدين من رجالكم) البقرة [282] فهو مقيد بأية (واشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2] بل إن في آخر آية الإشهاد المطلقة ما يتفق مع آية اشتراط العدالة، وهو قوله تعالى: (ممن ترضون من
265
العيني، البناية، ج 8 ص 135.
(1)