الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع — دراسة مقارنة زهران بن خميس بن محمد المسعودي

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي

الجزء ١ · صفحة ٣٧١

وأما ما قيل من أن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم أنهم أوصوا فجوابه هذا فالحجة فيما وردت به النصوص لا في أفعال المكلفين، مع

أنه إذا صح

أنه يمكن قلب هذا الاستدلال بأن يقال أنه لما كان أمر الإيصاء بينهم مشتهرا لم يشتغلوا بنقل وقائعه لشهرته وتواتره، بينهم كما لم يشتغلوا بنقل أفعالهم في إتيان الفرائض المعلومة بينهم كالصلاة والزكاة والصوم لشهرة ذلك بينهم مع أن هذه أيضا فرائض لازمة، وإنما صار أمر الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين إلى الخمول بعد قرن الصحابة لما تبناه أكثر العلماء من القول بالاستحباب دون الوجوب ومتابعة مقلديهم لهم في ذلك فخفيت شهرته بترك

الناس له.

وأما ما قيل من أنه لو كانت الوصية واجبة ثم لم يوص للزم إخراجها من المال كسائر الديون فهذا القول مفرع على أصل بعض الفقهاء القائلين بوجوب إخراج حقوق الله تعالى من التركة وإن لم يوص بها الهالك، وهذا أصل غير متفق عليه فإن جماعة من الفقهاء يرون عدم لزوم ذلك إذا لم يوص الهالك بإخراجها بخلاف حقوق المخلوقين فإن الوارث يلزم بإخراجها لوجود المطالب بها عند الحاكم، ولا يقوى الأقربون على المطالبة بالوصية إذا لم يوص لهم بها لأنها في حكم الهبة لهم، والموعود بالهبة لا يمكن من نصب الخصومة في الهبة قبل قبضها، فالقول بوجوب الوصية بإيجاب الله لها لا يتنافى مع القول بعدم لزوم إخراجها من التركة وعدم تمكين الأقربين من نصب دعوى المطالبة بها إذا لم يوص الهالك بها، إذ مثلها في ذلك مثل العطية للأولاد، فإن الأب إذا أعطى بعض بنيه في حياته وحرم الأخرين ثم مات ولم يوص لمن حرمهم من أولاده بمثل ما أعطى إخوانهم فإن الأولاد المحرومين من العطية لا يمكنون في الحكم من المطالبة بمثل ما أعطي

371