الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٣٩١أن هذه فوائد دنيوية والأمر بالإشهاد فيها يدل على الإرشاد مدفوع بالأمر
بالإشهاد على الزواج.
وأما القول بأن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن (أمانته) البقرة [283] فمع أنه وارد بعد ذكر الرهن الذي جعل عوضا عن الكتابة وما يتبعها من الإشهاد مما يدل على أن ذلك يصار إليه عند تعذر وجود الكاتب والشاهد ففيه مع ذلك أيضا- أن هذا النسخ واقع قبل التمكن من الامتثال، فإن ظاهر حال نزول هذه الآيات أنها نزلت دفعة واحدة فيكون النسخ قد وقع مباشرة عقيب الأمر بالإشهاد قبل التمكن من الامتثال اعتقادا فضلا من أن يكون عملا وهو ممنوع صيانة لأفعاله تعالى عن العبث وفقدان الحكمة من تشريع الأوامر والمخاطبة بالنواهي لغير حاجة ولا مخرج - فيما يبدو - من ذلك إلا أن يقال إن النسخ إنما هو واقع على رفع الوجوب، ولا يلزم من رفع الوجوب رفع الجواز والندب إلى الفعل، وتكون الحكمة من تشريع الوجوب أولا ثم نسخه ثانيا قبل التمكن من الامتثال هو إظهار المنة والفضل الله تعالى على عباده إذ امتن عليهم برفع ما أوجب عليهم من الإشهاد عند التعامل مما يورثهم كلفة ومشقة بإيجابه، وهي حكمة كافية لتشريع إيجاب أمر ما ثم نسخه مراعاة لهذه الحكمة، إذ لا تقتصر الحكمة على التمكن من الفعل فحسب، وشاهد ذلكم نسخ الصلوات الخمسين إلى خمس صلوات قبل التمكن من الفعل إظهارا للامتنان بالتخفيف عن العباد.
ومهما يكن من أمر، فإن الأمة قد صارت في العصر الحاضر إلى العمل بالأوامر الواردة في هذه الآية من الأمر بالكتابة والإشهاد على ذلك في غالب صفقات التعامل الواقعة بين أفرادها خصوصا المعاملات ذات القدر الخطر، وهذا مما يخفف وقع الخلاف في هذه المسألة التي تبدو فيها أدلة جمهور الأمة غير قادرة على الصمود أمام أدلة القائلين بالوجوب.
391