الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٤٠٤وأما الاستدلال بالآيات الواردة في أدلة القائلين بجواز الحكم على الغائب فليس فيها دليل، لأنها آيات مجملة لا يمكن التعويل على الاستدلال بها في هذه المسألة.
وأما الاستدلال بحديث هند بنت عتبة في طلبها النفقة من مال زوجها فليس يصلح دليلا للقائلين بجواز القضاء على الغائب لأنهم يشترطون في سماع الدعوى ضد الغائب أن تكون للمدعي بينة تقوم بحقه، ولم تقم هند هنا بينة على ذلك، ولم يطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ذلك، مما يدل على أنه ليس في القصة دليل على جواز الحكم على الغائب.
وأما الاستدلال بقصة العرنيين على ذلك فليس بالقوي، لأن أمره - صلى الله عليه وسلم - بتتبعهم واحضارهم إليه ليس حكما عليهم، وإنما شأن ذلك كشأن سائر المدعى عليهم يطلبون إلى مجلس الحكم، وإنما الحكم الواقع عليهم هنا هو الحكم بالاقتصاص منهم، وهذا كان واقعا بحضورهم في حضرته، سواء قيل إن مستند الحكم عليهم بذلك قرائن الأحوال أو الاعتراف منهم والإقرار بالقتل للرعاة، لكن كل ذلك لم يكن إلا بحضورهم فلا دليل فيه على جواز الحكم على الغائب.
وأما الاستدلال بحديث البينة على من أدعى"، وبأن للمدعي بينة متى أحضرها وعدلت وجب سماعها والحكم بما شهدت به فليس بشيء، لأن البينة التي يجب الحكم بها إنما هي البينة التي سلمت من الطعون فيها، أو لم يعارض المدعي عليه شهادتها بكلام عاكس للقضية كأن يسلم بما شهدت به ثم يدعي الوفاء ويبرهن عليه، فإذا فعل شيئا من ذلك وثبتت صحته صار كلام البينة أمرا عدما لا يعول عليه، وهذا لا يوقف عليه إلا بحضور المدعى عليه، فلا بد من اشتراط حضوره.
-
وأما الاحتجاج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم – حكم بدية الخطأ
-
على العاقلة، والعاقلة في وقت الحكم غائبة فلا يصح الاحتجاج به لما يلي: 1 أن المحتجين بهذا لم يعينوا واقعة مخصوصة من ذلك جرى الحكم فيها على العاقلة وهي غائبة حتى يمكن الوقوف على مدى صحة
404