الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٤١٠ولعل حجة هذا القول هي: أن الجهل بالبينة عند الدعوى يصلح عذرا
له، لأنه لم يظهر الإعراض منه عنها ولم يرض بيمين خصمه إلا لفقدانه ما يبرهن به على دعواه، فجعلوا الجهل له في هذا الموضع عذرا صالحا على خلاف ما لو تركها مع علمه بها، فإن هذا يدل على أنه مهمل لها وراض بيمين خصمه ويرى أن يمين الخصم خير له من بيئته، لأن المعهود في الخلق المشاحة عند الخصومات والترافع للقضاء، وهذا يدفع كل منهم إلـ طلب ما هو أجدى في حقه وأفضل. الرأي المختار:
يذهب الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء بأنه لا تسمع البينة بعد اليمين مطلقا سواء علم المدعي ببينته فأهدرها أو لم يعلم بها، فإنه إذا طلب يمين خصمه وحلف له سقطت دعواه ولم يبق له شيء، وذلك لما يلي: ا- أن في قوله صلى الله عليه وسلم "البيئة " على من أدعى واليمين على من أنكر" ما يدل على: أ- أن كلا من البينة واليمين مستند صحيح کاف شاف للقاضي للبت في الدعوى بحكم قاطع لا رجوع فيه، لأن هذا التفصيل الوارد في الحديث جاعل كلا منهما حجة في الموضع الذي جعله الشارع فيه، فهو حجة وحق وليس بعد الحق إلا الباطل. ب أن البينة واليمين مستندان ودليلان متكافئان من حيث القوة والمرتبة، وإلا لو قيل إن البينة أقوى من اليمين للزم القول بأن الشارع قد حابي المدعى عليه بأن جعل دليله على دفع دعوى المدعي وهو اليمين أمرا أسهل من الدليل الذي جعله على المدعى
عليه لإثبات دعواه وهو البينة. وتقديم البيئة على اليمين عند المرافعة لم يأت من حيث النظر إلى أن البينة أقوى مرتبة من اليمين ولذا قدمت عليه كما يمكن أن يتوهم، وإنما جاء تقديم البينة على اليمين من حيث النظر إلى أن المدعي ذو جانب ضعيف
410