الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
الجزء ١ · صفحة ٤٦٢المطلب الثالث: حكم طلاق السكران
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: وقوع طلاق السكران المميز دون السكران المطبق. وإليه ذهب الإمام ابن بركة خلافا لمن تقدمه من فقهاء المذهب
الإباضي، ونص كلامه في ذلك هو: فالسكران" على ضربين سكران مميز وسكران غير مميز، فالمميز إذا أتى بفعل وادعى عزوب النية وترك القصد
لا تقبل دعواه، والسكران الذي لا يعقل لا يقع منه طلاق ولا غيره (1). وقد تابع الإمام ابن بركة من جاء بعده من فقهاء الإباضية على هذا القول تلميذه أبو الحسن البسيوي (2)، وهذا الرأي منسوب إلى ابن رشد (3) من المالكية (4).
أدلة هذا القول ما يلي:
أما وقوع طلاق السكران المميز فقد استدل له الإمام ابن بركة بقوله
تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) النساء [43]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن الله تعالى خاطب عباده المؤمنين ألا يقربوا الصلاة في حال سكرهم، وهذا النهي متوجه إلى بعض السكارى من الذين لهم تمييز أثناء القيام إلى الصلاة، لأنهم هم الذين يمكنهم ترك القيام إلى الصلاة أثناء السكر على خلاف من زال عقله بالكلية بسبب السكر فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يتوجه خطاب الله تعالى له، لأن الله تعالى لا يخاطب إلا من يعقل عنه خطابه، وأما من لا يعقل الخطاب فلا تلزمه أحكام العقلاء، فدلت الآية على أن السكران إذا كان فيه تمييز صح توجيه الخطاب إليه
(1)
(2)
(r)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 180.
البسيوي، مختصر البسيوي، ص 272. الشقصي، منهج الطالبين، ج 26 ص 302. ابن رشد محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد، أحد علماء المالكية بالأندلس من أهل قرطبة، يعرف بالحفيد تمييزا له عن جده ابن رشد، وكان عالما فيلسوفا من مصنفاته "بداية المجتهد في الفقه، وتهافت التهافت في الفلسفه و "الضروري" في المنطق، مات بمراكش عام خمسة وتسعين وخمسائة للهجرة. ابن فرحون الديباج المذهب، ص 284 - 285. الزركلي، الأعلام، ج 5 ص 318. (4) ابن جزي، القوانين، ص 151.
462