الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع — دراسة مقارنة زهران بن خميس بن محمد المسعودي

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي

الجزء ١ · صفحة ٥٨

يقوى على معرفة أرجح القولين، أن عليه الاجتهاد في ذلك كما يجتهد جابر بن

زيد (1)

وكان الإمام ابن بركة عميد المدرسة الرستاقية"، تلك المدرسة التي كانت كما تقدم ذكره تنعى علي موسي بن موسي وراشد بن النظر خروجهما على الإمام الصلت بن مالك بلا موجب للخروج عليه.

وقد حرر الإمام ابن بركة وجهة نظر هذه المدرسة في هذه القضية، وأبرز أراءها، فكان لما قاله وقع عظيم في النفوس لم يمت بموته، بل ظلت له تأثيرات وشواهد حية بعد وفاته في الواقع الملموس زمنا ليس بالقصير

(")

وكان الإمام ابن بركة رجلا واسع الثراء، كثير المال، وكان سخيا بهذا المال، ينفق على الوافدين عليه منه، وقد أنشأ مدرسته المشهورة ببلدته "بهلى"، للمتعلمين أرضا واسعة من ماله تصرف منافعها عليهم، وبنى مساجد

كما

حبس

(1) العوتبي، الضياء، ج 1 ص 217، وهذا القول من الإمام ابن بركة، إما أن يحمل على قصد المبالغة في حث هذا الضعيف في العلم على التحري وأخذ الصواب، أو يحمل على أن مراده من قوله: إن على هذا الضعيف أن يجتهد كما يجتهد الإمام جابر بن زيد هو أن يجتهد في طلب السلامة بجهده على مبلغ قدر طاقته في العمل بالأعدل من الأقوال، وهذا ما يفيده كلام أبي نبهان من المتأخرين في تفسير اجتهاد هذا الضعيف كاجتهاد جابر بن زيد انظر البوسعيدي مهنا، لباب الآثار، ج 1 ص 49.

(T)

ويؤيد الاحتمال الثاني ما مر ذكره في هامش ص 43، مما نقله الكندي صاحب المصنف عن بعض تلاميذ الإمام ابن بركة في هذا الشأن، فإن ظاهر كلام هذا التلميذ أنه جعل رأي شيخه ابن بركة بالأمر لهذا الضعيف الذي لا يعرف عدل أقاويل العلماء بأن يجتهد كما يجتهد جابر بن زيد جعله مقابلا لرأي من يقول إن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول من أقوال العلماء ولو مجازفة من غير تحر، فيدل هذا على أن مراد الإمام ابن بركة من هذه العبارة هو أن يجتهد هذا الضعيف في طلب السلامة لنفسه بالتحري في العمل بأحق الأقوال، وليس مراده أن على هذا الضعيف أن يجتهد ويستنبط كاستنباط واجتهاد جابر، فإنه عاجز عنه لا محالة لعدم تأهله وتحصيله لأدوات الاجتهاد والله اعلم، وعلى كلا التوجيهين لهذا الكلام فهو دال على حث

الإمام ابن بركة على طلب إصابة الحق اعتمادا على الدليل الصحيح سواء كان المكلف مجتهدا أو مقلدا. ويدل على ذلك أن آراء الإمام ابن بركة تلك ظلت قائمة بعد وفاته بزمن طويل، حتى أن صاحب المصنف الإمام أحمد بن عبدالله الكندي، وهو من علماء القرن السادس الهجري - ألف كتابه "الأهتداء"، وانتصر فيه لرأي الإمام ابن بركة، وقد حاول عرض محل النزاع بين المدرستين النزوانية والرستاقية على قواعد تنفق عليها للمدرستان، وتسلمان بها، ثم خرج بنتيجة صحيحة أن لو سلم له أن صفة الحدث الواقع بعمان في عهد الإمام الصلت بن مالك جارية على ما آل إليه نظره.

08