الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع — دراسة مقارنة زهران بن خميس بن محمد المسعودي

الإمام ابن بركة السليمي البهلوي

الجزء ١ · صفحة ٨٩

بينهم، وأخبروا بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن العادة والحال هذه - تمنع أن يكون الخبر خرج مخرج الكذب، فيلزم قبول الخبر إذا جاء على هذه الصفة من غير حاجة إلى النظر في عدالة الراوي وصحة السند. ويرى الإمام ابن بركة أنه يجب البحث أولا عند ورود خبر ما عن عدالة رواته، فإن لم يعثر للحديث طريق رواته عدول ضابطون فينبغي طرحه، ولا يكفي وروده بطرق كثيرة رواتها غير عدول سببا لقبوله ويعلل ذلك بـ: أ- أن الله تعالى قد نهانا بقوله: (ممن ترضون من الشهداء) البقرة [282] عن تصديق الفاسق في الشهادة والرواية، لأن من اتهم في دينه فهو غير مرضي في نقل الأخبار، ولأن المخبر، شاهد، وكل شاهد ليس بعدل فهو مردود الشهادة، والحديث منزلته في ذلك منزلة الشهادة. ت أن الرواة إذا لم يكونوا عدولا في دينهم، فكثرتهم لا تصلح حجة لقبول الخبر حتى ينضم إلى ذلك شرط العدالة، فيكون الحديث صحيحا لعدالة رواته، ومتواترا لكثرة طرقه، واستحالة العادة بكذب الرواة الفسقة إذا

كثروا وجاءوا متفرقين وأخبروا بخبر واحد لا تكفي دليلا لاطراح النظـ في الرواة وقبول الأخبار مطلقا، ويدل عليه أن النساء لا تقبل شهادتهن وحدهن ولو كثرن، فلو جاء ألف امرأة فيهن زوجات النبي- صلى الله عليه وسلم - متفرقات عن غير مواعدة بينهن وشهدن الرجل بدرهم واحد ما جاز قبول شهادتهن وحدهن حتى ينضم إليهن أحد من الرجال العدول، مع أن العادة تحيل اجتماعهن على الكذب، ولا يظن بزوجاته صلى الله عليه وسلم- إلا الصدق، فلم تكف كثرتهن للحكم بشهادتهن، فكذا الحال هنك لأن الحديث منزلته في ذلك منزلة الشهادة (1).

(1) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 314. وخلاصة استدلال الإمام ابن بركة من الدليل الأخير هي: أن الله تعالى أمر في قوله سبحانه ممن ترضون من الشهداء) البقرة [282] بإشهاد العدول، لأنهم هم المرضيون في الدين، وأمر سبحانه في قوله: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة [283] بوجوب أن يكون في الشهادة على الحقوق مع النساء أحد من الرجال، فكما أنه لا تقبل شهادة النساء وحدهن ولو بلغن مبلغ

89