الشيخ عمروس
الجزء ١ · صفحة ١٦٢الشيخ عمروس ومنهجه
هذه بعض مظاهر العلاقة الثقافية بين المغرب وبلاد السودان في عصر الشيخ عمروس، والتي استمرت بعد ذلك لسنوات طويلة، لا تزال آثارها باقية إلى يومنا هذا، ويكفي من أعظم ثمرة هذه العلاقة الثقافية نشر الإسلام في تلك المناطق النائية من إفريقيا عن طريق العلماء من تجار الدولة الرستمية
بشتى ولاياتها، وبالأخص تيهرت وجبل نفوسة.
ثالثا: العلاقة الثقافية مع المشرق العربي:
إن الدولة الرستمية ارتبطت بالمشرق برابط ثقافي وروحي عميق من الوهلة الأولى لنشأتها، فمؤسس الدولة الرستمية وهو الإمام عبد الرحمن بن رستم تتلمذ وأخذ العلم بالمشرق، وبالتحديد في البصرة على يد الإمام أبي عبيدة كما مر، والدولة الرستمية هي تجسيد للفكر السياسي لمذهب إسلامي عريق يعد من أوائل المذاهب الإسلامية ظهورا، بل ويستقي مبادئه من كتاب الله والسنة النبوية الصحيحة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم، ألا وهو المذهب الإباضي، وكما هو معلوم أن المذهب الإباضي ظهر أول ما ظهر في المشرق بالبصرة تحديدا، ووضع قواعده إمامه الأول الإمام التابعي الجليل أبو الشعثاء جابر بن زيد، الذي تلقى علمه على يد كبار الصحابة، وعلى رأسهم عائشة أم المؤمنين والبحر عبد الله بن العباس وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم جميعا.
إذا فقد ارتبطت الدولة الرستمية بكافة ولاياتها - ومن ضمنها جبل نفوسة الذي عاش فيه الشيخ عمروس - بالمشرق ارتباطا - ثقافيا وعقائديا وروحيا - وطيدا منذ النشأة الأولى لها، واستمر هذا الرابط حتى بعد سقوط الدولة الرستمية، ولا زال مستمرا إلى يومنا هذا بفضل الله تعالى ولعل من أبرز مظاهر هذا الترابط الثقافي والروحي ما قام به أهل المشرق عندما سمعوا عن قيام الدولة الرستمية من إرسال وفد مشرقي محمل بالأموال الكثيرة لمؤازرة الدولة الوليدة، وقد تكرر إرسالهم لذلك الوفد بالمال مرة أخرى بعد فترة من إرسال الوفد الأول وقد كان أئمة الدولة الرستمية على اتصال مستمر مع أئمة المشرق، يستفتونهم في مختلف المسائل والقضايا، ومن ذلك إرسال الإمام عبد الوهاب ومن معه من علماء دولته إلى أئمة المشرق وعلى رأسهم الإمام الربيع بن حبيب في ذلك الوقت يستفتونهم في ما زعمه ابن فندين حول إمامة الإمام
(")
- ذكر ابن الصغير أن كمية المال المرسلة من أهل المشرق للإمام عبد الرحمن في المرة الأول ثلاثة أحمال، وفي المرة الثانية عشرة أحمال (انظر: ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 32، 38)
(1) ـ ابن الصغير، أخبار الأئمة الرستميين، ص 32 37 - أبو زكرياء، سير الأئمة، ص 83 - 84.
162