الشيخ عمروس
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠الشيخ عمروس ومنهجه
وكان حكيما في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يتهور أو يتخبط بل يتبع الأسلوب اللين الحكيم، ويعطي لكل إنسان العلاج المناسب له، ويظهر هذا خلال قصته من مع شيخين من شيوخ العلم وهما داود بن ياجرين، وماطوس بن هارون، جلسا معه يوما، فتحدثوا حتى جرى بينهم ذكر أهل الصدق وأهل الكذب، وذكروا أهل " شروس "، فقال الشيخان: إن أهل شروس لا يكذبون؛ فلما سمع الشيخ عمروس منهما ذلك – وكان في القضاء - أظهر إجازة شهادة كل شروسي، فعاتباه على ذلك، فقال: إنما حكمت بشهادتكما إذ زكيتما جميع أهل شروس؛ فقالا: ما أردنا ذلك، فوقف الشيخ عمروس عن الحكم بشهادة غير المعدلين
'
والشيخ عمروس كان يقصد من وراء هذا تنبيه الشيخين على الخطأ الذي وقعا فيه، وهو تزكية جميع أهل شروس من الكذب، وهذا مما لا يقبل عقلا، فاتبع معهم هذا الأسلوب الحكيم الغير مباشر حتى لا يعرضهما للإحراج، وتقديرا واحتراما لمكانتهما العلمية، قال الدرجيني معلقا على هذه القصة: • وعمروس أجل من أن يتجاوز إلى هذا القدر أو ينسب إليه هذا التهاون، ولعل الشيخين لما قالا في أهل شروس ما قالاه، ظهر له أن في ذلك القول مجازفة، إذ برءا من الكذب جميع أهل شروس جملة من غير تعديل، وتأدب أن يواجههما بالمناقضة فسلك بهما طريقا يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ، وهذه إحدى فضائله " إهـ
(2)
وكان الشيخ عمروس رحمه الله تعالى مجاهدا في سبيل الله، لم يشغله العلم وطلبه أو القضاء وتعبه، عن الجهاد في سبيل الله حتى سقط شهيدا في وقعة " مانو " ضد الأغالبة، وهو يجاهد لإعلاء راية الحق والذود عن حياض الشريعة، فأسروه وقتلوه صبرا بكل وحشية ودناءة، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (4)
(3)
قال الدرجيني واصفا الشيخ عمروس في عبارات بليغة حقيق أن تقال في مثل الشيخ عمروس: " عمروس بن فتح رضي الله عنه، بحر العلوم الزاخر، المبرز أول السباق وهو الآخر، الضابط الحافظ المحتاط المحافظ، لم تشغله المجاهدة في الله عن دراسة العلوم، ولم يلهه التبحر في العلم عما تعين عليه من
هو داود بن ياجرين من علماء جبل نفوسة بليبيا، عاش في القرن الثالث الهجري (انظر: الدرجيني، الطبقات، 322/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1). (1) - الدرجيني، الطبقات، 322/ 2 - الشماخي، السير، 193/ 1.
(2) - الدرجيني، الطبقات، 322/ 2
(7) - الدرجيني، الطبقات، 89/ 1، 324/ 2 - الشماخي، السير، 195/ 1.
(1) - سورة آل عمران، آية 169