الشيخ عمروس
الجزء ١ · صفحة ٩٤الشيخ عمروس ومنهجه
لقد داب كثير من كتاب للمقالات إلى الصاق مصطلح الخوارج بالإباضية، إما لأهواء في أنفسهم خدمة لبعض السياسات كالسياسة الأموية، أو لتعصبات مذهبية؛ ومصطلح " الخوارج " مبهم عائم يحتاج إلى توضيح المقصود به، فكل أحد يفسره وفق مبادئه أو مصالحه، قال الشيخ ناصر السابعي: " ومن خلال ما تقدم يتراءى أن هذا المصطلح كان لكل فريق من مستخدميه وجهة هو موليها، فعلى حين يبدو من الربط بين الخوارج والمارقة من قبل الأمويين قصد الذم واللمز، يتضح من عبارات الأزارقة وأشعارهم إرادة الثناء والتمدح، كما تصرح عبارة عبد الله بن إباض بالثناء على الخوارج في قوله: " فهذا خبر الخوارج نشهد الله والملائكة أنا لمن عاداهم أعداء ولمن والاهم أولياء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا مع سحبه هذا اللقب
11
عن الأزارقة في قوله: " … غير أننا نبرأ إلى الله من ابن الأزرق واتباعه من الناس اهـ. فمصطلح الخوارج يأتي على عدة تفسيرات تتراوح بين المدح والذم، فالخروج يأتي بمعنى الخروج في سبيل الله قال تعالى: ولوْ أَرَادُوا الخروج لأعدُّوا لهُ عَدُهُ) (التوبة: 46)، وقال تعالى: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُتركة المَوْتُ فقد وقع لجرْهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) (النساء: 100)، إذا فهو مدح بهذا التفسير وهو الخروج في سبيل الله وليس نما؛ وكذلك يأتي بمعنى للخروج السياسي على الحاكم، سواء خروجا على أئمة الحق كما فعل معاوية بخروجه على علي بن أبي طالب، فمعاوية باغ بخروجه على الإمام علي الذي ارتضت الأمة إمامته، وقد يكون الخروج على أئمة الجور المعطلين لحدود الله، بهدف إقامة الحق وتطبيق شرع الله في أرضه، وبهذا التفسير يفسر الإباضية خروجهم، وخروج الرعيل الأول لهم وهم أهل النهروان الذين خرجوا على الإمام علي لما انحرف عن المنهج الصحيح ورضي بالتحكيم في شيء حكم الله تعالى فيه بنص كتابه؛ فالإباضية في جميع ثوراتهم يفسرون خروجهم خروجا سياسيا على الظلم، والأمثله على ذلك كثيره كخروجهم على حكام بني أمية وبني العباس الجوره المعطلين لحدود الله، وإقامتهم الدول الإباضية في المغرب والمشرق المطبقة لشرع الله، وخروجهم في عمان على بعض الحكام الجائرين بهدف إقامة الدول الإسلامية المطبقة لشرع الله والخروج على أئمة الجور - كبني أمية وبني العباس - لم يتفرد به الإباضية وحدهم بل وافقهم على ذلك الأمة، قال جمهور ابن حزم: " وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا ييأسون من الظفر ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون لقلتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعة من ترك التغيير باليد، وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وطلحة والزبير وكل من كان معهم من الصحابة … وهو قول عبد الله بن الزبير ومحمد والحسين بن علي وبقية الصحابة والمهاجرين والأنصار القائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين. وقول كل من قام على الفاسق الحجاج ومن والاه من الصحابة رضي الله عن جميعهم كأنس بن مالك وكل ممن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطاني وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار … - وذكر أسماء كثير من التابعين وأتباعهم - ثم قال: وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كابي حنيفة والحسن بن حي وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا " إهـ. إذا فخروج الإباضية السياسي على الحكام الجائرين، ليس نما لهم بل هو مدح وشرف يستحقون الثناء عليه، كذلك لم ينفردوا وحدهم بهذا القول فقد وافقهم عليه جمهور الأمة كما رأينا من كلام ابن حزم، فلماذا نعت الإباضية بلقب الخوارج دون غيرهم، أو ليس هذا دليلا على التعصب الأعمى من قبل من نعتهم بهذا النعت دون غيرهم؟!
وياتي كذلك مصطلح " الخوارج " بمعنى الخروج من الملة الإسلامية والمروق من الدين، وقد حاولت بعض الفرق الإسلامية الصاق هذه التهمة بالخارجين على الإمام علي من اهل النهروان، وبالطبع ينسحب الحكم على الإباضية لأن اهل النهروان هم الرعيل الأول للإباضية، وقد يحاول بعض الكتاب تلطيف الجو بالقول أن الإباضية أكثر فرق الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى أهل السنة والجماعة، وكان أهل السنة والجماعة أصبحت هي المقياس الذي يقاس به المسلمون. ولكن ما الجرم الذي ارتكبه أهل النهروان حتى يتم إخراجهم من الملة الإسلامية وينعتوا بالمروق والخروج، الأنهم خرجوا على الإمام علي؟! وهل هم وحدهم الذين خرجوا على الإمام علي؟!، ألم يخرج عليه الزبير وطلحة وعائشة أم المؤمنين يوم الجمل؟!، وألم يخرج عليه معاوية وأهل الشام يوم صفين؟! فلماذا لا ينعتون بما نعت به أهل النهروان؟! لماذا خص أهل النهروان بالمروق والخروج دون غيرهم؟! وأما الروايات التي تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في الخوارج وأنها تنطبق على أهل النهروان فقد تكفل بدراستها الشيخ ناصر السابعي في كتابه الخوارج والحقيقة الغائبة وبين ما فيها من أوجه الضعف واللبس، فمن أرادها يجدها في كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة للشيخ السابعي حفظه الله. والملاحظ أن الرعيل الأول للإباضية لم يستنكف من لقب الخوارج بل كان يعترف به ويفسره أئمتهم الأوائل بالخروج السياسي على أئمة الجور كما مر وليس بالخروج من الدين أو باستباحة دماء المسلمين وسبي ذراريهم وغنم أموالهم كما يرى بعض أصحاب =
=
94