ملامح التصوف الإباضي المغاربي
الجزء ١ · صفحة ٧٨- تلقي الناس لكتاب الإحياء: قبل الحديث عن ردود الأفعال على كتاب الإحياء، لا بأس من تقييم سريع المسيرة الغزالي، حيث يذكر عبد الأمير الأعم أن الغزالي لم يكد ينتهي من حربه مع الفلاسفة حتى ولج حربا أخرى مع الباطنية، وكان لا يتورّع من الدخول إلى صميم مشاكل لم يجرؤ أحد من قبله أن يدخلها. مثلما فعل في تبرئة يزيد بن معاوية من قتل الحسين بن علي، وقد ردّ عليه ابن الجوزي ما في الفتوى من تطرّف خطير. ورغم تصعيد المعارضة على كتاب «الإحياء» إلا أن الغزالي
ألف ردّا على معارضيه سماه الإملاء على إشكالات الإحياء وذلك حين قامت جماعة من فقهاء الأندلس وقاضي قرطبة وزملائه بإصدار فتوى اتهموا فيها الغزالي بالابتداع والهرطقة، فأحرق كتاب الإحياء على مشهد من جماهير الشعب، وفرضت عقوبة القتل على كل من يقرأه. وفي بلاد المغرب أحرقت بأمر من علي بن يوسف بن تاشفين باعتبار أن الكتاب ينتقص الفقهاء ومنهم أتباع مالك. كما اعتبر ابن الجوزي الغزالي حاطب ليل لما
حشا به كتابه الإحياء من أحاديث موضوعة ولا تصح (1).
وقد ذكر شوقي أبو خليل أن كثيرا ممن يقتصر على مطالعة الإحياء أو يكثر من قراءته ويشغف به، ينشأ عنده غلوّ في الزهد والتقشف، ومخالفة النفس في المباحات، والكراهة للحياة،
(1) ينظر: عبد الأمير الأعم، الفيلسوف الغزالي إعادة تقويم لمنحنى تطوّره الروحي، دار الأندلس، بيروت، ط 2: 1981، ص 81 وما بعدها.
78