ملامح التصوف الإباضي المغاربي
الجزء ١ · صفحة ٧٩والإكثار من الرّياضات والمجاهدات. وقد يكون مرجع ذلك أن الغزالي عند تصنيفه الإحياء كان في حالة غلبت عليه الخوف والهيبة، وكان متأثرا شديد التأثر فجاء كلامه صورة صادقة لنفسه المتأثرة. وعلى ما فيه من أحاديث ضعيفة، وغلوّ صوفي، وهضم للنفس وترك المباحات، إلى غير ذلك من مآخذ تعقبها ابن الجوزي وابن تيمية مع اعترافهما بفضل الكتاب؛ فهو في مقدمة الكتب الإسلامية التي انتفع بها خلائق لا تحصى في كل عصر وجيل.
انتقد الغزالي أهل الفقه الذين تكلّموا وأطالوا بطهور الجسد والثياب والمكان ونسوا طهور القلب والنفس والروح، فكم من طاهر الثياب والجسد، وروحه غارقة في إنتانات حبّ الشهوات والغدر والخيانة. كما انتقد غلاة المتصوفة الذين صرفوا الناس عن العلوم الدنيوية، انتقدهم انتقادا صحيحا لأنهم زهدوا الناس بالدنيا، فنَعِم بها الكافر، وخلقها الله للمؤمن، فالزهد عمل من أعمال القلب وليس التخلّي عن واجب الخلافة في الأرض (1).
بالرغم مما قيل في الغزالي إلا أنّه أوّل من نقد التصوّف نقدا منهجيا موسوعيّا منظما، فلم تكن الحضارة الإسلامية تعرف نقدا فقهيّا صوفيا للتصوّف حتى مجيء الغزالي، فنقدهم عن خبرة ودراية بعد معايشة لهم ومدارسة ( … ) وهو أوّل من جعل
(1) ينظر: شوقي أبو خليل، من ضيّع، القرآن دار الفکر، دمشق، ط 2: 1982، ص 192 وما بعدها.
79