ملامح التصوف الإباضي المغاربي
الجزء ١ · صفحة ٨٩يذكر علي يحيى معمّر أنّ الجيطالي طيلة إقامته بفرسطا (حوالي
تسع سنوات) كان يدرس ويقوم بالحسبة، سمع يوما بأن خمرا عند أحد الناس، فخرج إليه في جمع من الفقهاء وأهل الصلاح ليطلبوا من المنتهك أن يكفّ عن معصيته ويتوب، لكن أهل العاصي غلبتهم قوة القرابة عن الإذعان لأمر الله، فعزم على الارتحال ولما تعلق به الناس يمنعونه عن الرّحيل، قال لهم: «لا أقيم ببلد لا يُقام فيه الحق، ويُمنع المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، مما دفع بأهل المدينة ليتبرؤوا من العاصي ويقطعوا علائقهم به، فضاقت الأرض بالعاصي وأهله، حتى أعلنوا توبتهم)، وهذا ما يسمى بنظام الولاية والبراءة وقد حفظ للإباضية وجودهم عبر
التاريخ. بعد ذلك انتقل إلى جربة في أواخر حياته واستقر بها، فجلس للتدريس بالجامع الكبير فكان يُقرئ ويصنّف في المجلس الواحد (2) وكان من تصانيفه ما ذكرناه آنفا، وبذلك يكون قد أبدع في الأسلوب والمضمون؛ كما يشهد له بذلك من جاء بعده من
العلماء.
بمقارنة بسيطة يمكن القول أن الجيطالي مر بظروف صعبة، ومشابهة بعض الشيء لظروف الغزالي، ربّما كانت سببا في أن يجد سلواه وإلهامه في اختيار طريق الغزالي للعودة إلى الاهتمام بالقلب
(1) يُنظر: الإباضية في موكب التاريخ، مرجع سابق، ص 110. (2) من مقدمة تحقيق كتاب قنطرة الصلاة، تح: طلبة الشريعة بمعهد عمي سعيد مصدر سابق، حرف السين.
89