المعتمد في فقه الصلاة
الجزء ١ · صفحة ١١٤على
أن ما رُوي في المسح على تقديرِ ثبوته فهوَ آحادٌ لا يُعارِضُ القطعي المتواتر من القرآن الكريم)، وإلى هذا الرأي ذهب طائفةٌ كبيرة من صحابة رسول الله؛ ولذلك شدَّدت السيدة عائشة فقالت: "لأن أحمل السكين على قدمي أحب إلي مِنْ أَنْ أَمْسَحَ على الخُفَّين (2)
(1)
كان الصحابة الله يردُّون كلَّ رواية تتعارض مع القطعي من القرآن الكريم، حينما لا يُمكنُ الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع التي ذكرناها سابقا في مبحث "أَوْجُهُ بَيَانِ السُّنَّةِ للقُرْآنِ الكريم"، وهذا المنهج منهج معروف ومتبع لديهم، ولذلك أمثلة كثيرة، كما فعلت السيدة عائشة حين ردت على ابن عمر في قضية تعذيب الميت ببكاء أهله عليه مستدلة بقوله تَعَالَى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الأنعام: 164، وفي قضية اعتماره في رجب، وكما صنع ابن بحديث الحكم بن عمرو الغفاري في تحريم ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير (رواه البخاري، باب:
عباس لحوم الحمر الإنسية، رقم الحديث 5103).
عن
وعموما فإن هذا المنهج أرشد إليه النبي الله أصحابه فيما رواه الربيع بسنده المتصل الصحيح عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس النبي قال: " إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني" (رواه الربيع، رقم 41)، هذا كما قلنا عند وقوع التعارض والاختلاف وتعذر إمكان الجمع، أما عند إمكان الجمع بوجه من الوجوه المعتبرة التي ذكرناها سابقا فلا يُصار إلى الرد كما هو متقرر ومعلوم.
قال النور السالمي -رحمه الله - في شرحه لهذا الحديث: " … وهذا في ما وقع فيه الاختلاف بين الأمة؛ بدليل قوله: "إنكم ستختلفون من بعدي"فأما المتفق عليه أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج إلى عرض، بل يجب العمل به وإن خالف ظاهر الكتاب؛ لأنه إما ناسخ أو مخصص .. إلخ" فحذار كل الحذر من التسرع في ردّ أقوال المعصوم قبل التأمل والنظر من قبل أهل العلم والبصر قَالَ تَعَالَى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهم النحل: 44. يُنظر: القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب: مكانته
و مسنده ص 112، 116 - 118.
السالمي، شرح الجامع الصحيح ج 1 ص 66.
(2) ـ الربيع، باب: في المسح على الخفين، رقم الحديث 127.