المعتمد في فقه الصلاة
الجزء ١ · صفحة ١٤٨نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، فَكَرِهَ النَّبِيُّ لا كُلَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مُخَالَفَةِ أَهْلِ
الكتاب (1).
(1)
وربي
سه
- وفي هذا تجسيد لذلك المبدأ العظيم الذي دأب النبي له على تربية أصحابه عليه وغرس في نفوسهم، وهو مبدأ الاستقلالية بالشخصية المسلمة وعدم التبعية والتقليد الأعمى للآخرين، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام ربى أصحابه هذه الأمة على الاستقلالية في المنهج والاستقلالية في التصور والفكر والمعتقد والسلوك؛ لأنَّ المنهج والسلوك إنما الفكر، ومما لا شك فيه أيضا أن الفكر يتأثر بالمحاكاة في السلوك، لذلك جاءت النصوص الكثيرة التي فيها النص والأمر بمخالفة اليهود والنصارى والمجوس والمشركين وسائر ملل الكفر والشرك، ومن أمثلة ذلك: - قوله لها الله: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ وَفُرُوا اللحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ. البخاري، باب: تقليم الأظافر، (5442).
ينبثقان
عن
2 - وقوله: "جُرُّوا الشَّوَارِبَ وَأَرْحُوا اللَّحَى خَالِفُوا الْمَجُوسَ". مسلم، باب: سنن الفطرة، (383). - وقوله: " خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خَفَافِهِمْ". أبو داود، باب: الصلاة في النعل، (556). . طبعا كانت النعال في الماضي لا ترفع الأقدام عن الأرض حال السجود-.
وقد جسد النبي تلك المعاني كلها بفعله فحينما مر أحد اليهود على النبي وأصحابه وهم قيام في حالة دفن ميت، قال ذلك اليهودي: هكذا نصنع، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود مخالفة لعمل أهل الكتاب، (أبو داود، باب: القيام للجنازة رقم 2762)، وكذلك حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَلِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ الله " فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ" -أي مع يوم عاشوراء. (مسلم، باب: أي يوم يصام في عاشوراء، رقم 1916). وهكذا فقد شدد الشارع الحكيم في كل ما كان فيه تشبه بالكفار والفساق وأعداء الدين أَفَحُكْمَ الْجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
المائدة:
ومن أروع ما يمكن أن يُذكر في هذا السياق تلك الكلماتُ التي صدَرَتْ من ذلك الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال، فقد حقَّ لها أن تحفظ وأن تكتب بمداد من نور على صفحات اللُّجَيْنِ ((إن المسلم لم يخلق ليندفع مع التيار، ويساير الركب البشري حيث اتجه، وسار بل خُلق ليوجه العالم والمجتمع والمدينة ويفرض على البشرية اتجاهه، ويملي عليها إرادته؛ لأنه صاحب الرسالة وصاحب الحق اليقين؛ ولأنه المسؤول عن هذا العالم وسيره واتجاهه، فليس مقامه مقام التقليد والاتباع، إن مقامه مقام الإمامة والقيادة مقام الإرشاد والتوجيه مقام الآمر الناهي، ولئن تنكر له الزمان وعصاه المجتمع وانحرف عن الجادة لم يكن له أن يخضع ويضع أوزاره ويسالم، بل عليه أن يثور عليه وينازله ويظل في صراع معه وعراك حتى يقضي الله في أمره، إن الخضوع والاستكانة للأحوال القاسرة والأوضاع القاهرة والاعتذار بالقضاء والقدر من شأن الضعفاء والأقزام، أما المؤمن القوي فهو نفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد)). والله
الموفق لخيرة الأمور.