المعتمد في فقه الصلاة المعتصم بن سعيد بن سيف المعولي أبو أحمد

المعتمد في فقه الصلاة

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

-2

" اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (1).

فهل هؤلاء الذين خاضوا ما خاضوه مدحا وقدحا، تصحيحا وتضعيفا، حازوا هذه العلوم أو وصلوا إلى هذه المرتبة، لا أظن أدنى من سمع كلام أحدهم إلا ويعرف الإجابة، وينقدح في نفسه النصح لهم بقراءة شيء ولو من مختصرات النحو والإعراب ليقيموا ألسنتهم ويحفظوها من اللحن فضلا عن الخوض في مسائل العلم والرد على العلماء الراسخين المجتهدين!!

يقول الإمام نور الدين السالمي - رَحِمَهُ الله - عند ذكره لشروط المجتهد (طلعة الشمس 418/ 2): " .. فمن لم تحصل معه تلك الشروط فلا يحل له القول في الأحكام الشرعية عن نظر نفسه، بل يقلد غيره في ذلك، وذلك حكم الله فيه؛ لقوله تَعَالَى: فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ))

(43)

النحل: 43، الأنبياء: 7".

وأقول: إننا وجدنا علماءنا الربانيين الذين وصلوا مرتبة الاجتهاد وحُقَّ لهم، مع اجتهادهم العميق واستنباطهم الدقيق ووصولهم إلى الراجح من الأقوال، وإداركهم في المقابل للسقيم منها، نجدهم قد يقفون ويتانون من التصريح ببعض آرائهم واجتهاداتهم ولو لمدة من الزمن، فلا يطيرون بها فرحا، ويذيعونها في الآفاق سراعا، بل كثيرا ما هم وقافون؛ لمقصد رأوه أو لمصلحة اعتبروها؛ كأن يكون في ذلك الاجتهاد مخالفة لرأي يفتي به شيخهم الجليل، أو أن الناس حديثو عهد باستقامة، أو تمسك برأي آخر قوي … وهذا هو الفهم العميق والتطبيق الدقيق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للسيدة عائشة ل الله: " ألم تري قومك حين بنوا البيت اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه السلام؟ " فقلت: يا رسول الله ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟! قال: " لولا حدثان قومك بالكفر". (الربيع 413).

فقد ترك النبي و إعادة بناء البيت العتيق على قواعده الأصلية التي بني عليها في عهد سيدنا إبراهيم العليا، مع أن هذا البيت هو أول بيت وضع للناس بنص القرآن، وهو قبلة كل المسلمين إلى يوم الدين؛ وذلك كله مراعاة للحالة السابقة التي كان عليها أولئك القوم، وخشية عليهم من وقوع الحرج والفتنة في دينهم، فهل أدرك العقلانيون هذا السر العظيم؟!! وهل فقهوا هذا المقصد الكبير؟!! وهل جنبوا الناس الفرقة والشقاق؟!! أم كانوا سائرين على عكس هذا المنهج ومجدفين عكس التيار … ؟!!

(1)

فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا النساء: 78.

- رواه البخاري أَنَّ أَبا بَكْرِ الصِّدِّيقِ الله أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ: عَلَّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: " قُلْ

اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي … إلخ".

(البخاري، باب: الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ، رقم الحديث 790).