المعتمد في فقه الصلاة المعتصم بن سعيد بن سيف المعولي أبو أحمد

المعتمد في فقه الصلاة

الجزء ١ · صفحة ٣٠٠

فَصْلٌ فِي مَوَاضِعِ سَجَدَةِ التَّلاوةِ

تعرَّف - يا باغي الخير - أنَّهُ قد اختلف في مواضع سجود التلاوة، وعليه فقد اختلف في عددها أيضًا، والمعوَّلُ عليه عند أكثر أصحابنا هو عدمُ السُّجود في سُوَرٍ المُفَصَّل (النجم، والانشقاق، والعلق (1)؛ ولذا يكون عددُها عندهم إحدَى عَشرة

سجدة.

الأنفال: 046

هذه الأمة عن الاختلاف ورتب على وقوعه ذهاب الريح (القوة) قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَنَزَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وجاء في بعض روايات هذا الحديث "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، وقد سمعت شيخنا محدث العصر يحكم ببطلان هذه الرواية (صيف 13/ 2001)، وقال ابن حزم عنها: خبر مكذوب موضوع باطل لم يصح قط. (يُنظر: الإحكام لابن حزم والمقاصد الحسنة للسخاوي، وكشف الخفاء للعجلوني).

أما اختلاف العلماء في الفروع فهو رحمة من حيث إنَّ العاملَ لا يُلزم بالبدل والإعادة ما دام أنه وافق قولا معتبرا له وجه من الحق (أي لم يعارض نصا ثابتا)، وهذه هي قاعدة "مراعاة الخلاف" التي يُشير إليها قولُ عمر بن عبد العزيز: "ما سرني لو أنَّ أصحاب محمد لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة مع قول غيره". وكذا فاختلافُ العلماء رحمة من حيث إن الله وعمل لو أراد أن لا يختلف أهل العلم لأنزل في كل حكم قديما أو حادثا نصا قطعيا في ثبوته ودلالته فلما لم يكن ذلك مع أمره برد ما اختلفنا فيه إلى استنباط أولي العلم علم أن اجتهادهم صواب ما دام أنه لم يخرج عن أصل من السنة والكتاب، وهذا ما يهون الخطب، ويُسهل الأمر على الناس من حيث إن العالم في عصره كالطبيب لمريضه، يصف له ما يصلحه في زمانه الذي يعيش فيه، وحسب مقتضى ظروفه التي تحيط به، وبذا تُدرك أنه لو اقتصر العلماء على ما أثر من اجتهادات وأقوال السلف والمتقدمين وحمل الناس على الأخذ بها لوقع التشديد في كثير من الأمور الواسعات، والتضييق في الأمور المباحات؛ لأن ما يصلح لعصر قد لا يصلح لعصر

من

أمَّا الحرص على السعي وراء الرخص وتتبع الشواذ من الآراء، والسقطات من أقلام الفقهاء، فذلك أمر غير اختلاف العلماء، بل هو عادة السفهاء، وديدن الأغبياء، وهلكةٌ صح فيها قول العقلاء الأتقياء: "من تتبع الرخ كل مذهب فهو هالك".

ومثله قول بعض الضعفاء الجهلاء: "ضعها في رقبة عالم تخرج سالما، وكذا من" قلد عالمًا فهو سالم" فليس على

إطلاقه، بل هو مقيد ومبين بقولهم: وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعتَبرا

***

إلا خلافا له -

(1) ـ المفصل: هي ما ولى المثاني من قصارِ السُّورِ، وهي: السبع الأخير من القرآن الكريم، سُميت بالمفصل لكثرة فصل البسملة بين سورها، وتبدأ من سورة الحجرات إلى آخر القُرآن، وقيل: بل تبدأ من سورة (ق)، والعلم عند الله.