المعتمد في فقه الصلاة
الجزء ١ · صفحة ٣٢١"وَحْيُ السُّنةِ فِي خُطْبَي الجُمُعَةِ " (ملحق بالفتاوى 508/ 1): وهذا نص كلامه: "إن الخطبتين في الجمعة والجلوس بينهما
مما ثبت عن رسول الله، وعمل به أصحابه .. "، وإلى هذا الرأي ذهب طائفة. من محققي أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، فقد نص عليه العلامة أبو الحسن البسيوي في جامعه (149/ 2) ثم أعقب كلامه بحكاية الإجماع عليه بقوله: ". . وعليه الإجماع"، ونقل كلامه العلامة أبو مسلم في نثاره (471/ 2) و لم يتعقبه بشيء بل أقره عليه، وأنت تدري أنهما من أعلام المسلمين في زمانهما، وممن صرَّح بهذا الرأي من أصحابنا أيضا الشيخ الجيطالي في قناطر الخيرات (440/ 2)، وقطب الأئمة في التيسير (356/ 13)، والهميان (225/ 14 - 226)، وغيرهم.
يقول شيخنا القنوبي -حفظه الله - في "قُرَّةُ العَيْنَين في صَلاة الجُمُعَة بخطبتين" (55): "وهذا القول - أي القول بالخطبتين والجلوس بينهما- رجحه جماعة من المتأخرين منهم الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق، وشيخنا الفريد الحجة جامع شتات الفضائل ووارث علوم الأوائل، حجة المتكلمين، وسيف) وإمام الفقهاء والمفسرين، شيخ الإسلام الخليلي - حفظه الله تعالى وعافاه". وإذا تقرر لديك أن هذا الرأي هو رأي الجمهور والمحققين من الأصحاب، فاعلم أن الدولة الرستمية الإباضية المغربية قد أطبقت على هذا القول علما وعملا، ولا يخفى عليك أن هذه الدولة قد قامت في فترة مبكرة من عمر المذهب العريق أي منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا- يقول المؤرخ البرادي في كتابه "الجواهر المنتقاة" ص 202: "فإنهم – أي الأئمة الرستميين كانوا إذا فرغوا من الخطبة الأولى قاموا إلى الخطبة الثانية .. "، وأنت خبير بأن مؤسس هذه الدولة هو الإمام عبد الرحمن بن رستم الذي أخذ عن شيخه أبي عبيدة عن جابر عن الصحابة عن النبي، وإذا سألت عن تلك الروايات التي رويت في هذا الباب فاعلم أنها كثيرة اعتمد عليها هؤلاء العلماء المتقدمون والمتأخرون، فدونك غيضا من فيض، ورشفًا من غرف:
هذا
1 - عن ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ لا يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ، قَالَ: كَمَا يَفْعَلُونَ الْيَوْمَ. (مسلم (1425)، يقول الشيخ القنوبي عن هذه الرواية في " قرة العينين /58": "وهذا إسناد صحيح لا يحوم حوله شك ولا ريب؛ ولذلك لم يقدح فيه أحد من علماء المسلمين على اختلاف طبقاتهم، وتباين وجهاتهم".
2 - عن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ لله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَحْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالسًا فَقَدْ كَذَبَ. (مسلم/ 1427).
3 - عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا ثُمَّ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْطُبُ. (أحمد /2208). أضف إلى ذلك الإجماع العَمَليَّ الذي استقرَّ في عهد الصحابة زمن الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر بن الخطاب له أجمعين عملا بالخطبتين والجلوس بينهما، ولم يحدث الخلاف والقولُ بالخطبة الواحدة إلا عندما ظنَّ مَن ظَنَّ أنَّ أول من أحدث الخطبتين والجلوس بينهما عثمانُ لما كبرت سنه، أو معاوية لما كثر شحم بطنه.
هذا .. وإذا تقرر لديك ما تقرر بالحجة والبرهان، فاعلم أن العالم مهما بلغ من العلم ما بلغ فلا بد وأن تخفى عليه سنةٌ أو ينسى مسألة، وما ذلك على طبع البشر بغريب، وما سُمِّيَ الإنسانُ إلا لنسيه، ومن ادعى عدم ذلك فقد ادعى مترلة فوق متزلة أبي بكر وعمر وغيرهما من صحابة رسول الله، وقد قيل: لا أضرَّ على العلم من قول بعض ا المقلدة: "ما ترك الأول للآخر"، وإنما الصدق والحق بل الواقع ما قاله المحققون والعارفون: "كم ترك الأول للآخر! "، والله قد تعبدنا