المعتمد في فقه الصلاة
الجزء ١ · صفحة ٣٣المنطقيَّةَ، فالأَكْمَهُ مثلاً - الذي وُلدَ أَعْمَى - لا يمكنُ لهُ أنْ يتصوَّرَ في ذهنه الألوان أحمرَها
وأصفرَها، ولو كانَ يَسمعُ عنها، وعن جمالها وصفاتها.
وهكذا الشخص الذي وُلد أصمَّ ولم يسمع شيئًا مِنْ كلام الناس وحديثهم لا يستطيعُ أبدًا معَ وجودِ عقله وصحته أن يُعرب بلسانه عمَّا يدور بخلده فيكلم الناس ويتحدث معهم؛ لأنَّ عقلَهُ لم يتخيل تلك الكلمات لتعطل مصدرها وتعذره، وهكذا يُقالُ في بقية حواس الإنسان، ومثلُ هذا يقالُ أيضًا في نعيم الجنَّةِ، لا يمكنُ للإنسان أنْ يتصوَّرَ حقيقتَهُ لأَنَّهُ كَمَا جَاءَ في الحديث " فيها مَا لَا عَينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ
وهذه الحواس (مصادرُ العقل المعرفيةُ) في حال كمال صحتها وسلامتها هي محدودة في مقدارها؛ لأنَّ البصر كما أَنَّهُ لا يستطيعُ أَنْ يَرى ما كان بعيدًا جدا من ملايين النجوم والكواكب والمجرَّاتِ على عِظَمِ حجمها وسعة اتساعها، كذلك لا يستطيعُ أَنْ يَرى ما التصق بآلة الإبصار (العين)، وهكذا لا يمكنه أن يرى ما حوله مِنْ ملايين الكائنات الحية الدقيقة المنبثة في جوِّ السماء والأرض، وكذا بالنسبة للأثير والأمواج الصوتية والكهرومغناطيسية مع أنَّ العقل يقطع بوجودها من خلال أجهزة
الاستقبال المعدة لها، وعلى خلاف ذلك فقد يرى بصرُ الإنسان السَّراب مـ فيحسبه ماءً زُلالا، وقد قرَّرَ هـ هذا المشهد في قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَلُهُمْ كَسَرَابِ بقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْثَانُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) النور: 39. وكذا بالنسبة للمصدر الآخر (السمع فإنَّ سمعَ الإنسان محدود؛ إِذْ إِنَّهُ لا يُدرك الأصوات الدقيقة من حوله مهما كانت قريبةً منه، وكذلك لا يُدرك سمع الإنسان
(1) - البخاري، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم الحديث 3005.