المعتمد في فقه الصيام والزكاة
الجزء ١ · صفحة ٨١في فقه الصلاة والزكاة
المعتمم في عند الصبا والزكاة
الشَّرْطُ الثَّاني / الطَّهَارَةُ مِنَ الجَنَابَةِ:
الأصل في هذا الاشتراطِ مَا جَاءَ فِي صَريحِ الحديث الصحيحِ عن أبي هريرةَ الله قال: قال رسولُ الله: " مَنْ أَصْبَحَ جُنُنَبا أَصْبَحَ مُفْطَرًا (1)، وهو المروي عن جملة منْ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتَّابعينَ لهم بإحسان.
إضافةً إلى أنَّ هَذَا الاشتراط مؤيَّدٌ بالنَّظر؛ ذلكَ لأَنَّ الْجَنَابَةَ حَدَثٍ أَكبرُ كَالْحَيضِ والنِّفاسِ، وكما لا يَصحُ صِيَامُ الْحَائِضِ والنُّفَسَاءِ بالإِجَمَاعِ كَمَا سَيَأْتي قَرِيْبًا بِإِذْنِ اللَّهِ - كذلكَ الجُنُبُ لا يَصحُ صيامُهُ (2)، وعلَيهِ فَمَنْ تعمَّدَ أنْ يُؤخِّرَ الغُسَلَ ليُصبِحَ عَلَى جَنابِةٍ
(1)
- الربيع، باب: ما يفطر الصائم ووقت الإفطار والسحور، رقم الحديث 318.
(2) ـ هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء من قديم الزمان وسبب هذا الخلاف هو التعارض الواقع بين رواية أبي هريرة المذكورة أعلاه، ورواية السيدتين عائشة وأم سلمة، وهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُصْبِحُ جُنَّبًا مِنْ حِمَاعِ غَيْرِ احتلام ثُمَّ يَصُومُ، والكلُّ صَحِيحٌ لا غُبار في ثبوته إلا أن المعتصم عند أصحابنا الله في هذه المسألة هو الأخذ بما دل عليه حديث أبي هريرة الله قال: قال رسول الله: " مَنْ أَصْبَحَ جُنَّبًا أَصْبَحَ مُفْطِرًا"، ا، وهو ما انتصر له الإمامان الخليلي والقنوبي -حفظهم الله - في غير موضع من فريد أجوبتهم، وفي المقابل يُحمل حديث السيدتين عائشة وأم سلمة على أنه منسوخ؛ وذلك للاعتبارات الآتية:
أولها: إن تعارض دليلان مختلفان أحدهما فيه شغل للذمة كحديث أبي هريرة والآخر فيه براءة للذمة (كحديث عائشة وأم سلمة فإنه يقدَّم ما فيه شغل للذمة على الذي فيه براءة للذمة؛ لأن براءة الذمة هي الأصل قبل ورود الدليل الآخر، فإذا ورد الدليل الشاغل للذمة كان الشغل هو الأصل، وحُمل ما عارضه على الأصل السابق قبل التعبد بشغل الذمة، فصار شغل الذمة أمرا متيقنا منه، ومن قواعدهم السائرة أن اليقين لا يرفعه إلا يقين مثله. ثانيها: أن
دعوى نسخ حديث أبي هريرة تحتاج إلى دليل؛ إذ الأصل في تعارض دليلين يدل أحدهما على مشروعية حكم، والآخر على عدمه أن يقدم ما دل على المشروعية في العمل؛ لأن الدليل الآخر استصحب الأصل، وقد ثبت رفع حكم الأصل بالدليل الناص على مشروعية الحكم، ولم يثبت أن ذلك الحكم نسخ بعد مشروعيته، والنسخ لا يكون بمجرد الاحتمال، فكيف يُرفع هذا الحكم بما يحتمل أن يكون وروده موافقا للبراءة الأصلية!!
ثالثها: أن الجنابة حدث أكبر، وقد دلت الأدلة الشرعية على أن هذه العبادة الخالصة (الصوم) تتنافى مع الحدث الأكبر، فالحائض والنفساء لا يجوز في حقهما الصيام بالإجماع، وما ذلك إلا لتلبسهما بالحدث الأكبر، فالنظر والقياس الشرعي المستقر يقتضي إلحاق الجنابة بهما.