المعتمد في فقه الحج والعمرة
الجزء ١ · صفحة ٢٦المعتصم في فقه الحجة
المعلمين
مرة في فقه الحج والعمرة
لطيفة: وَلِذَا كَانَ الإِمَامُ أَبُو السَّعْتَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ اللَّهُ يَدَابُ عَلَى الْحَجِّ كُلَّ عَامٍ، فَاسْتَبْقَاهُ وَالِي البَصْرَةِ ذَاتَ عَامِ؛ لِيَقُومَ بِالفَتْوَى فِي النَّاسِ وَ وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ كَعَادَتِهِ كُلَّ عَامٍ، فَاعْتَذَرَ عِنْدَ الوَالِي فَلَمْ يَعْذُرْهُ، فَلَمَّا رَأَى الوَالِي مِنَ الإِمَامِ جَابِرٍ إِصْرَارَهُ وَعَزْمَهُ عَلَى الْحَجِّ قَامَ بِحَبْسِهِ ظُلْمًا وَطُغْيَانًا لِئَلَّا يَخْرُجَ إِلَى الْحَجِّ فِي ذَلِكَ العَامِ، فَلَمَّا اسْتُهِلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ بِالبَصْرَةِ قَامَ بَعْضُ فُضَاءِ أَهْلِ البَصْرَةِ بِالتَّشَفْعِ لَهُ عِنْدَ الوَالِي بِحُجَّةِ أَنَّ الهِلالَ قَدْ اسْتَهِلْ وَأَنَّهُ لا سَبِيلَ لِقَطْعِ الفَيَافِي وَالصَّحَارِي إِلَى الدِّيَارِ الْمُقَدَّسَةِ فِي مَا بَقِيَ مِنَ الأَيَّامِ القَلِيْلَةِ حَتَّى لَو أَصَرَّ عَلَى عَزْمِهِ.
فَأَمَرَ الوَالِي بِإِطْلَاقِ سَرَاحِهِ، فَمَا إِنْ خَرَجَ أَبُو الشَّعْثَاءِ حَتَى دَخَلَ عَلَى زَوْجِهِ آمِنَةً وَأَمَرَ بِتَجْهِيزِ زَادِهِ وَرَاحِلَتِهِ بَعْدَمَا اسْتَكْتَمَهَا مَا عَقَدَ عَزْمَهُ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى حِيْنِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَشَدَّ عَلَى نَاقَتِهِ وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَا يَفْتَحَ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْيك لَهَا - فاطر: 2، وَصَارَ يَنْطَلِقُ لا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ، فَأَدْرَكَ الْحَجِيجَ فِي مَوقِفِ عَرَفَةَ، فَمَا إِنْ نَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ حَتَّى سَقَطَتْ عَلَى الْأَرْضِ تَتَجَلْجَلُ وَتَصْطَرِبُ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ ذَكَّهَا ذَكِّهَا يَا أَبَا السَّعْتَاءِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَائِلاً: "حَقِيقٌ لِنَاقَةٍ رَأَتْ هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ بِالبَصْرَةِ أَنْ تَفْعَلَ هَذَا، ثُمَّ سَلِمَتْ بِسَلامِةِ اللهِ (1).
فَصْلٌ في حكم الحج
تَعَلَّمْ أَيُّهَا السَّاعِي فِي الطَّاعَاتِ أَنَّ الحَجَّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلامِ، وَفَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ بِاتِّفَاقِ الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلا، وَذَلِكَ بِدَلائِلِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ (2):
(1) - وكَانَ قَدْ سَافِرَ عَلَيْهَا جَابِرٌ أَربعًا وَعِشرينَ سفرةً، في حجة وعُمْرَة. يُنظر:
الدرجيني،
أحمد
سعيد. طبقات المشايخ بالمغرب ج 2 ص 208. بن
(2) - يُنظر:
القنوي، فتاوى إمام السنة والأصول ص 108.