المعتمد في فقه النكاح المعتصم بن سعيد بن سيف المعولي أبو أحمد

المعتمد في فقه النكاح

الجزء ١ · صفحة ٣٣٠

330

المعتصم

وَلَيْسَنَا بِمُغَيِّيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟! - وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهَ يا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ".

قلت: وقدْ أَضَافَ شَيخنا القُنُّويُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ - عِنْدَ الْمُرَاجَعَةِ بخط قلمِهِ قَولَهُ: "وأنا في شك كبير من ثبوت هذه

الرواية ".

على أن هذه الرواية على تقدير صحتها - ليس فيه دليل لمن استدل على إباحة الغناء ومزامير الشيطان، فلا ينبغي استغلال مثل هذه الروايات في تحليل المحرمات، فالجاريتان أولاً- هما فتاتان صغيرتان، تعبران عن فرحتهما بالعبدة وليستا بمغنيتين –كما قيدت ذلك السيدة عائشة بصريح العبارة، وثانيا فإن هذا الغناء كانَ إنشادًا لبعض أشعار الشَّجَاعَة والحماسة والقتال ونَحْو ذَلِكَ، مِمَّا لا مَفْسَدَة فِيهِ بِخِلافِ الْغِنَاءِ الْمُشْتَمِل عَلَى مَا يُهيج النفوس العرب في على الشر، ويدعو للميوعة والانحلال، ويثير كوامن الغرائز لدى الشباب ولذا صدق ما قيل فيه: "الغناء رقية الزناء"، ويقول ابْنُ مَسْعُود: "الغناء يُنبت النِّفَاق فِي الْقَلْب كَمَا يُنْبِت الْمَاءُ الزَّرْع، والذِّكْرَ يُنْبِتُ الإِيمَان فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِت الْمَاءِ الزَّرْع".

فإذن هذا الحديث لا دلالة فيه على ذلك الاستدلال بل الأدلة من الكتاب والسنة على خلاف ذلك، ومنها: 1 - قولُه تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوا أَوْلَيْكَ هُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ التسال: 6، سئل ابن مسعود لاله عن الآية فقال: "والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي لا إله إلا هو إنما هو الغناء (صفوة التفاسير 922/ 2).

- قوله: " صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة صوت مزمار عند نعمة وصوت مرنة عند مصيبة"، وفسر الربيع - رحمه الله - صوت المزمار بصوت المغنية. (الربيع/ 636)، ومن المعلوم لديك أن اللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب فضلا عن كونه معصية الله عز وجل.

3 - قوله: لَيَكُونَنَّ مِن أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِف .. ". (البخاري معلقا).

إلى غير ذلك من الأدلة التي تركناها اختصارا، يقول العلامة محدِّثُ العصر في هذا الشأن: " .. فالأحاديث المحرمة للغناء رويت من طرق متعددة عن صحابة رسول الله له منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف الذي الله يشده الصحيح أو الحسن، وقد رويت من طرق متعددة منها عن علي بن أبي طالب وعن السيدة عائشة - رضي تعالى عنها - وعن ابن عباس وعبد الله بن عمر وابن العاص وأبي أمامة الباهلي وسهل بن سعد الساعدي وغيرهم من صحابة رسول الله.

وأقوى تلك الأحاديث حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه - الذي رواه الإمام البخاري جازما بصحته ورواه الطبراني وأبو داود وابن ماجه بلفظ: (ليأتين رجال من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، هذا أقرب شيء إلى لفظ أبي داود، وقد أطال العلامة ابن القيم في عدة كتب من كتبه في الانتصار لهذا المذهب وبيان صحة الأحاديث المروية عن رسول الله الله في هذا الموضع، كما أطال في ذلك العلامة الحافظ ابن حجر ر في " فتح

الباري شرحه على صحيح البخاري.