المعتمد في فقه النكاح
الجزء ١ · صفحة ٥٦56
المعتصم
فريدة: إن المطالع في صفحات التاريخ الإسلامي المشرقة ليقف على نماذج فريدة من التضحيات النادرة التي قام بها السلف الصالح في مضمار النكاح ومراعاة
الأسس الشرعية في الإنكاح ..
منها ذلك النموذج الرائع للتابعي الكبير سعيد بن الكبير سعيد بن المسيب القرشي أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، أتته رسل عبد الملك بن مروان الملك الأموي الخطبة ابنته للوليد ابن عبد الملك لما جعله وليا لعهده، فأغروه بالمال والعطايا الجزيلة وعرضوا عليه أن يدفعوا مهرها زنتها ذهبًا وجوهرًا، فأبى عليهم ورفض كل عروضهم وإغراء اكم، فهو
يريد تزويج ابنته من الكفء صاحب الخلق والدين لا الفجور وشرب الخمور. وهنا يقول تلميذه أبو وداعة كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما فلما جئته قال: أين كنت؟ قلت: توفيت أهلي فاشتغلت بها، فقال هلا أخبرتنا، فشهدناها؟ قال ثم أردت أن أقوم فقال: هل أحدثت امرأة غيرها؟ فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني؟! وما أملك إلا در همين أو ثلاثة فقال: إن أنا فعلتُ تفعل؟ قلت: نعم، ثم حمد الله تعالى، وصلى على نبيه وزوجه علي درهمين، أو قال على ثلاثة.
:قال فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي، وجعلت أفكر فيما آخذ وأستدين وصليت المغرب، وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر، وكان خبزًا أو زيتًا، وإذا بالباب يقرع فقلت: من هذا؟ قال سعيد، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب؛ لأنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد، فقمت وخرجت وإذا بسعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له أمر، فقلت: يا أبا محمد هلا أرسلت إلى فاتيك؟ قال: لا أنت أحق أن تؤتى، قلت: فما تأمرني؟ قال: رأيتك رجلاً عزبًا قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك.
فإذا هي
قائمة خلفه في طوله، ثم دفعها في الباب فسقطت المرأة من الحياء
فاستوثقت من الباب، ثم صعدت إلى السطح فناديت الجيران، فجاءوني وقالوا: ما
(