الأخبار والآثار سالم بن عبد الله بن راشد الحمسعيدي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

،

الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة اتعب نفسه لآخرته واراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر ولا عظمة، ولا دنوه بمكر وخديعة، واعلموا عباد الله ان المتقين ذهبوا لعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا فأفضل ما

سكنت، واكلوها بأفضل ما اكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون

،

واخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ، والمتجر المربح، أصابوا لذة، زهدوا الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غدا في آخرتهم لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة، فاحذروا عباد الله الموت وقربه، واعدوا له عدته، فإنه يأتي بأمر عظيم، وخطب جليل، بخير لا يكون معه شر أبدا، وشر لا يكون معه خير أبدا فمن اقرب الى الجنة من، ومن أقرب الى النار من عاملها

عاملها

وانكم طردوا الموت، إن اقمتم له أخذكم، وان فررتم منه ادرككم، وهو الزم لكم من ظلكم

الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم فاحذروا نارا قعرها بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرج فيها كربة وان استعظمتم أن يشتد خوفكم من، وان يحسن ظنكم به فاجمعوا بينهما، فإن العبد انما يكون حسن ظنه بربه

الله

على قدر خوفه من ربه، وان أحسن الناس ظنا بالله أشدهم خوفا له

ومن وصيته لابنه الحسن. أوصيك بتقوى الله با بني ولزوم امره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوه باليقين، ونوره بالحكمة، وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر، وفحش تقلب الليالي والأيام، واعرض عليه

- 125 -