الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٦أخبار الماضين، وذكره بما أصاب قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ماذا فعلوا، وعما انتقلوا، وأين حلوا ونزلوا، فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة، وحلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل صرت كأحدهم، فاصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف، والخطاب فيما لا تكلف، وأمسك عن طريق إذا خفت ضلالته، فإن الكف عن حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال، وامر بالمعروف تكن من أهله، وانكر المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله بجهدك وجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، وألج نفسك في الأمور كلها إلى إلهك، فإنك تلجيها الى كهف حريز ومانع عزيز، وتفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه، ونعم الخلق التصبر، واخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان
يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وأحوالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها، وضربت لك فيها الامثال لتعتبر بها وتحذر
عليها.
إنما مثل الدنيا كمثل قوم سفر نبا بهم (1) منزل جديب، فأموا منزلا خصيبا، وجنابا مربعا، فاحتملوا وعثاء الطريق، وفراق الصديق وخشونة السفر، وخشونة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم، فليس يجدون لشيء من ذلك الماء ولا يرون النفقة مغرما ولا شيء أحب إليهم مما قربهم إلى منزلهم، وأدناهم الى محلتهم
ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا الى منزل
بهم
جديب فليس شيء اكره إليهم ولا افظع (2) عندهم من مفارقة ما كانوا فيه الى ما يهجمون عليه ويصيرون اليه
1 - نبا بهم: نبا الشيء: نبوا - بضمتين - ونيا - يضم فكسر - ونبوة - بفتح فسكون: لم يستو في مكانه المناسب له، ويقال: كلمة نابية أي قلقة وغير منسجمة، ونبا عن الفراش: لم يطمئن به، والنبوة هي
الجفوة، يقال بينهما نبوة وهو يشكو نبوة الدهر، أي خطبه
2 - في الأصل (أفضع) والصحيح ما ثبت
- 119 -