الدلائل في اللوازم والوسائل درويش بن جمعة بن عمر المحروقي

الدلائل في اللوازم والوسائل

الجزء ١ · صفحة ٤٤٨

الباب الرابع والستون

في شيء من صفة الوصايا، وما يستحب من

و ما يؤمر به

ذلك

فإذا رزقك الله تعالى يا أخي، عمراً بعافية، ورزقاً حلالا أغناك

-

به عن الناس، وبقيت في الدنيا سنين، وذقت من طعومها من حلوها ومرها، وبردها وحرها، وخرجت من الشباب إلى المشيب، أو لحقك بعض من همومها فاذكر نعمة الله عليك بما خصك من هذه الحالة التي لم يبلغها كثير

،

من أقاربك، وجيرانك، وأصحابك، وأولادك، وأخوانك وأصدقائك، وأعدائك، وأعوانك، وكثير ممن تعرف من أهل

ز مانك منهم من مات طفلا وهنيئاً له، ومنهم من مات شابا، وكهلا، وشيخا، ومنهم من لبث مريضاً مدة وفقيراً، وغير ذلك

ولا تأمين بعدهم اللحوق بهم عاجلا، فإنهم لم يموتوا عنك، بل ماتوا قبلك، وأنت تراهم صحاحاً ومرضى وموتى، وترى أموالهم تقسم بعدهم، وأزراجهم تتزوج برغبة لا بوحشة، وبيوتهم تسكن، حتى كأنها لم تكن، وأنت ترى ذلك بعينيك في كل يوم، وفي كل شهر، وفى كل عام.

أتظن أن الموت ناسيك، أو يغفل عنك؟، ولم يأتك؟ هيهات، هيهات، إنما مثلك ومثلهم كالقافلة الكبيرة، أناخت بمكان قائلين، أو بائتين، ثم هموا بالرحيل إلى حيث هم رائحون، فسبق بعضهم بسير يوم، أو يومين، أو ساعة، أو خطوة، وهذا يشد الرحيل، وهذا يرد الجمل، وهذا يزم الحمل، وهذا قد نهض من مكانه، فأناج بتلك البقعة غيرهم، واختلطوا أياماً قلائل، ثم نهضت القافلة الأولى جميعاً، ثم همت الآخرة بالرحيل على أثرها.