الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٠٧بيئة، وما يناسبها من استظهار للعدد بالأطهار أو الحيضات، وهذا ما يناسب شمولية الخطاب القرآني (1) وهذا من واسع رحمته علينا: فأهل العلم يجتهدون في إعلاء دلالة على أخرى، والمطلقات مخيرات بين طريقين من طرق احتساب العدة، أحدهما قد يكون أقصر من الآخر فالذين جعلوا القروء أطهاراً راعوا التخفيف عن المرأة، مع حصول الإمهال للزوج، واعتضدوا بالأثر، والذين جعلوا القروء حيضات، زادوا للمطلق إمهالاً لأن الطلاق لا يكون إلا في طهر عند الجميع .. واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء» (2) وهذه فسحة تشريعيه لها (3) وقد يكون الاشتراك في التركيب، وليس في الفرد.
1 - يرى الشفاعية أن المشترك يجوز أن يراد به في نص واحد جميع معانية بشرط ألا يكون ضدين واستشهدوا بقوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من لناس) (الحج (18) ووجه الاحتجاج أنه اسند السجود إلى هؤلاء المذكورين والسجود مشترك بين وضع الجبهة على الأرض وبين الانقياد القهري للسنن الإلهية، فالسجود من الناس بمعنى وضع الجبهة على الارض والسجود من الجمادات وبقية الاشياء يكون بالانقياد القهري وكلاهما مراد من قوله تعالى: (يسجد) فيكون دليلاً على استعمال المشترك في معنييه معاً في نص واحد (انظر السبكي على وولده تاج الدين: الابهاج في شرح المنهاج، تحقيق: شعبان محمد اسماعيل (القاهرة مكتبة الكليات الأزهرية ط 1، 1981 م) 1/ 255، 260).
2 - التحرير والتنوير: 2/ 390 – 391.
فلو طلق امرأته في طهر قبل مجيء حيضها بيوم، فإن قلنا أن القروء هي الاطهار كان لنا أن نعد هذا اليوم الواحد قرءاً فيبقى عليها أن تتربص زمان طهرين، ولا يكادان معا يتجاوزان شهرين وإذا ما كانت غير راغبة في الزوج المطلق أو كان غير مأمون عليها وسعدت بفراقه فيإمكان القاضي حينئذ أن يحكم بانقضاء عدتها إذا أراد الزوج مراجعتها بعد أن طعنت الحيضة الثالثة على القول بأن القرء هو الطهر - وله أن يأخذ بالقول الآخر الذاهب إلى أن القرء هو الحيض إذا ما كان الزوج المطلق في طهر غنياً أو ذا ميراث والمطلقة في حاجة أو لها يد في تكوين هذه التركه فمات بعد أن طعنت في الحيضة الثالثة، فإن للقاضي أن يحكم بعدم انقضاء العدة اعتماداً على هذا القول الذاهب إلى أن الإقراء هي «الحيض» فيحكم لها بنصيبها في الميراث فلا يخفى مالدقة هذا الخطاب التشريعي وسعته من أثر في استنباط الأحكام وتقريرها. (انظر سعيد، محمود: دلالة الالفاظ عند الاصوليين: (مصر، مطبعة الأمانة، ط 1، 1987 م ص 356)
107