الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١١٩

بقصد الضرر؛ لأبطل رجعته كما ذكر ().

وإذا تأملنا الآيات التي ورد فيها الأمر بتحريم الميتة والدم، ندرك أنها مطلقة من غير تقييد، فقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: 173] وقال في النحل إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزيرِ وَمَا أَهِلَّ بِهِ} [النحل: 115] وقال في المائدة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير) الآية [المائدة:3]. فظاهر هذه الآيات أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، وهذا يشعر بالتضيق والحرج، فقيدها في مواضع أخرى، فميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو في قوله: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} الآية [المائدة: 96] إذ ليس للبحر طعام

غير الصيد إلا ميتته، وهو قول جمهور العلماء (2)

كما قيد تحريم الدم، بكونه مسفوحاً في قوله تعالى: {إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْدَ مَا مَسْفُوحًا) [الأنعام: 145] فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر

تقطيع اللحم ليس بحرام؛ إذ لو كان كالمسفوح؛ لما كان التقيد بقوله مسفوحاً. فيستطيع المجتهد تعيين المراد من خلال النظر في نصوص أخرى، والمقابلة بينها واستنباط الحكم منها، فالمقام مقام إثبات؛ لاتحاد السبب والحكم معاً، فحمل فقهاء الإسلام المطلق على المقيد، وقالوا بتحريم الدم إذا كان مسفوحاً. أما إذا لم يكن، فإنه حلال لا شيء فيه (3)

فقد قيدت الآية السابقة الدم المسفوح أي: المهراق؛ لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده، ولو اعتاده أورثه ضراوة، فتغلظ طباعه، ويصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة، لذا عفت عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح، أو النحر، وقاس كثير من الفقهاء نجاسته على تحريم أكله (4).

(1) انظر الشنقيطي: أضواء البيان:1/ 157 1880

(2) انظر من: 1/ 90

(3) انظر الآمدي: الإحكام في الإحكام: 2/ 162 وما يليها، وانظر الشوكاني: إرشاد الفحول: ص 164 وما يليها.

(4) انظر التحرير والتنوير: 2/ 118.

119