الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٢٣الكتابيات وبه قال قتادة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وهو قول جل المفسرين (1) فلسن داخلات في هذا التحريم، قال تعالى (وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ)
[المائدة: 5].
- وكقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ) [البقرة: 198]، فلم يوضح لنا في هذه الآية ما هو الفضل الذي لا جناح في ابتغائه
أثناء الحج أهو الثواب العظيم؟
أم هو الرزق الحسن، أم ماذا؟ وبالنظر في الآيات التي تكرر فيها ذكر هذا الفضل، نتوصل إلى أن المقصود به المال، وابتغاء الفضل: التجارة؛ لأجل الربح، فقوله تعالى: وَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ} الآية [المزمل: 20]؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية يسافرون يطلبون ربح التجارة وقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَأَنتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: 10] أي البيع والتجارة؛ بدليل قوله قبله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي فإذا اتقضت صلاة الجمعة فاطلبوا «الربح الذي كان محرما عليكم عند النداء، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة وعبر عنه بالفضل؛ لبيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالا لما كان عليه المشركون إذ كانوا يرون التجارة للمحرم بالحج حراماً. وكقوله سبحانه وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَا مَا مَعْدُودَاتِ﴾ البقرة: [184،183]، فالأيام المعدودات في الآية هنا غير محدودة، وغير معروفة وهي تثير في نفس السامع تساؤلاً عن هذه الإيام، فبينها بقوله سبحانه: هو شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَنَ} [البقرة: 185] ويؤيد ذلك قراءة مجاهد شهرا بالنصب على البدلية من
66
(183
أياماً: بدل تفصيل، كما أنه لم يبين في الآية الثانية وقت نزول القرآن هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ وبينه في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله: {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ) [الدخان: 3] والليلة المباركة ليلة القدر على التحقيق. (2) لقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1].
(1) انظر أبو حيان: البحر المحيط: 2/ 173، ابن عطية: المحرر الوجيز: 2/ 176،175.
(2) أضواء البيان: 1/ 140.
123