الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٢٥ب القياس والتعليل:
نهج القرآن الكريم في شرعية الأحكام منهجاً بديعاً محكماً، فلم يلج الطريقة الملتوية التي تكل منها العقول، ولم يسرد أحكامه سرداً، بل عللها وبين أسبابها فالقارئ لايجد في تعليله كلمة نابية، لبست ثوب الاصطلاح المصنوع في العصور المتأخرة، ولم يسر في تعليله وبيان الأسباب سيرة واحدة، حتى تسأم منها النفوس وتملها الأسماع، بل غاير ونوع، وفصل وأجمل، أبان ما في بعض الأفعال المفاسد حثاً على اجتنابها، وما في بعضها من المصالح ترغيباً في إتيانها؛ وذلك حتى يتسنى لنا استخدام عقولنا، وقياس ما يجد من وقائع وحوادث على تلك العلل
من
التي علل بها أحكامه فما وافق الحلال حللناه، وما وافق الحرام حرمناه. - فهو تارة يذكر وصفاً مرتباً عليه حكما، فيفهم السامع أن هذا الحكم يدور مع ذلك أينما وجد: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ} [المائدة: 38]؛ لأن التقدير من زنى فاجلدوه ومن سرق فاقطعوه {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُ وا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوا مُّبِينًا) [النساء: 101، وما يليها] (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ: عَامِهِمْ هذا} [التوبة: 28]
- وأخرى يذكر مع الحكم سببه، مقروناً بحرف السببية مقدماً أو مؤخراً أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج: 39] فَبِظُلْمِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا:
عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَاءِ بِلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ)
(1) انظر إرشاد الفحول: ص 212.
125