الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم خالد سعيد يوسف تفوشيت

الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم

الجزء ١ · صفحة ١٢٩

وقوله: {ولعلكم تشكرون (تعليل آخر وهو أعم من مضمون ولتكبروا الله على ما هداكم، فإن التكبير تعظيم يتضمن شكراً، والشكر أعم؛ لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم الله تعالى ويكون بفعل القرب في أيام الصيام وأيام

الفطر (1).

وكقوله تعالى: في شأن الوالدين: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفِّ وَ﴾ [الإسراء: 23] فالنص يدل على نهي الولد أن يقول لوالديه أف، والعلة في هذا النهي؛ ما في هذا القول من الإيذاء، وهذه العلة موجود في أنواع أخرى أشد إيذاء وإيلاماً من التأفف، كالضرب والشتم والحبس، ومنع الطعام عنهما، فيتبادر إلى الفهم أنها يتناولها النص، وتكون محرمة بالنص الذي حرم التأفف، حيث إن ثبوت الحكمة في المسكوت عنه هنا أولى من ثبوته للمنصوص عليه؛ لوجود الإيذاء فيه بصورة أتم من وجوده في التأفف (2)

وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وسيصلون سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] فعلة تحريم أكل أموال اليتامى العاجزين عن المحافظة عليها وتفويتها عليهم الظلم، وهذه العلة متحققة في أمور سكت الشارع عنها، وهي إتلاف مال اليتيم بإحراقه، أو تبديده، أو التقصير في حفظه، وما أشبه ذلك؛ فتكون حراماً كالأكل المنصوص عليه في الآية لمساواتها للمنصوص عليه في العلة التي استوجبت الحكم فيه (1)

•

ولما كانت نصوص القرآن متناهية ومحدودة، والوقائع متجددة، كان من الضروري النظر في علل وأسرار الأحكام الواردة فيها حتى يمكن تعدية هذه الأحكام إلى كل واقعة تحققت فيها تلك العلل، ولم ينص على حكمها وبهذا يتوصل المجتهد إلى ظهور تناول النصوص الشرعية للحوادث، والوقائع التي لم يرد فيها نص عن طريق القياس.

(1) انظر التحرير والتنوير: 2/ 175 وما يليها.

(2) انظر خلاف: علم أصول الفقه، ص 148 (3) انظر شعبان: أصول الفقه الإسلامي، ص 373

129