الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
الجزء ١ · صفحة ١٣٠الذي يرد النظير إلى نظيره لعلة جامعة بينها. وهو من أخصب المصادر. الأصولية التشريعية التي تساعد الفقيه، والمجتهد على إيجاد الحلول الصحيحة؛ وذلك بتطبيق هذه الأداة مراعاة للفطرة السليمة، والمنطق الصحيح، فإن من نهي عن شراب؛ لأنه سام يقيس عليه كل مسموم، ومن حرم عليه تصرف؛ لأن فيه اعتداء وظلما لغيره يقيس عليه كل ماجر ظلما لغيره، ولا يعرف بين الناس اختلاف في أن ما جرى على أحد المثلين يجرى على الآخر ما دام لا فارق بينهما. فلكي يتوصل المجتهد إلى معرفة أي حكم، فعليه أن يحصر الأوصاف الموجودة في الحكم والصالحة للتعليل، ويختبر مدى صلاحية كل صنف منها، فما ثبت صلاحيته أبقاه، وما لم يثبت ألغاه، وبذلك يتوصل إلى الحكم بأن هذا الوصف علة، ويمكنه أن يعدى حكم الأصل إلى كل واقعة وجد فيها هذا الوصف.
فإذا أراد المجتهد أن يعرف مثلاً ثبوت ولاية الأب على تزويج بنته البكر الصغيرة التي لم يدل نص ولا جماع على ثبوتها، فالمجتهد يتردد في العلة بين كونها بكراً، وبين كونها صغيرة، ويستبعد البكارة؛ لأن الشارع لم يعتبرها للتعليل بنوع من أنواع الاعتبار، ويستبقى الصغر؛ لأن الشارع جعله علة للولاية على المال، فقال: {وَابْتَلُوا اليَتَمَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَهَهُمْ) [النساء: 6] فالحكم الثابت بهذا النص؛ أن من لم يبلغ الحلم من اليتامى تثبت الولاية على ماله لوليه، وقد ثبت بالإجماع أن علة ثبوت الولاية المالية على الصغير صغره - وهى والولاية على التزويج من جنس واحد فيحكم بأن العلة الصغر، ويقيس على البكر الصغيرة الثيب بجامع الصغر.
وكذا ورد النص بتحريم شرب الخمر، ولم يدل نص على علة الحكم فالمجتهد يردد العلية بين كونه من العنب أو كونه سائلا أحمر اللون، أو كونه مسكراً، ويستبعد الوصف الأول؛ لأنه قاصر على الأصل، ولم يتعداه إلى الفرع، والثاني؛ لأنه طردي غير مناسب للحكم؛ لأنه لا يترتب على تشريعه منفعة للعباد، ويستبقى الثالث فيحكم بأنه علة.؛ لأنه ظاهر يمكن التحقق بالحس من وجوده، وعدم وجوده، ومناسب للحكم إذ
130